إسرائيل؛ ما هي إلّا رهينة في يد رئيس وزرائها
المصدر
يديعوت أحرونوت

تعني بالعربية "آخر الأخبار"، تأسست سنة 1939، وتصدر باللغتين العبرية والإنكليزية، كما يمكن قراءتها على موقعها الإلكتروني "ynet". وهي تُعتبر الصحيفة الثانية الأكثر انتشاراً في إسرائيل. تنتهج الصحيفة خطاً سياسياً أقرب إلى الوسط الإسرائيلي، يصدر عن الصحيفة ملحق اقتصادي بعنوان "كلكاليست".

المؤلف
  • بعد مرور يومين فقط على احتفال إسرائيل بعيد "استقلالها" السادس والسبعين، استيقظ مواطنوها على خبر يثير الكآبة الشديدة. هذه حال البلد، على الأقل صباح الخميس: إذ سقط خمسة جنود إسرائيليين بنيران صديقة على الجبهة الجنوبية، في منطقة جباليا، ولا تزال "حماس" منتصبة القامة في القطاع، بما يشمل المناطق التي قام الجيش باحتلالها منذ وقت ليس ببعيد، أمّا القتال في رفح فهو مستمر، ولن ينتهي عمّا قريب. أمّا على الجبهة الشمالية، وعلى الرغم من الإنجازات التي حققها الجيش واستهداف مسؤولي حزب الله، فإن التنظيم الشيعي يُظهر قدرات عالية جداً على المستوى العسكري، لقد نجح في ضرب أحد المرافق الحساسة التابعة لسلاح الجو، بواسطة طائرة مسيّرة، في منطقة مفترق "غولاني" [تقاطُع رئيسي في منطقة الجليل الأسفل، تلتقي فيه الطريق 65 التي تربط بين العفولة وإصبع الجليل، وشارع 77 من طبرية شرقاً، إلى الجليل الغربي في فلسطين]. ما حدث ينبئ بقدرة عسكرية واستخباراتية استثنائية، توضح لنا الثمن الباهظ الذي قد نضطر إلى دفعه في حال اندلعت حرب شاملة على الجبهة الشمالية.
  • ما لا يقلّ خطورة عمّا تقدّم، هو ما يجري على الجبهة الداخلية والمستوى السياسي الداخلي في إسرائيل: فوزير الدفاع يوآف غالانت يظهر أمام وسائل الإعلام في رسالة للأمة، مفادها أن نتنياهو لا يتصرف، فعلياً، وفق المصالح الأمنية لدولة إسرائيل. وغالانت الذي حذّر في السابق، خلال الاحتجاجات ضد الإصلاحات القضائية، من أن نتنياهو وزمرته يمسّون بأمن إسرائيل، كرّر كلامه أمس، على خلفية ما اعتبره نية نتنياهو إبقاء الحكم الإسرائيلي في قطاع غزة. أو بكلمات أُخرى، العودة إلى احتلال القطاع.
  • سارع نتنياهو إلى تسديد ضربة موازية إلى غالانت، وأطلق على الملأ شعاراً قد يناسب مرحلة الانتخابات: "أنا لا أريد لا ’حماسستان’ ولا ’فتحستان’". أمّا الوضع الكئيب، فهو كالتالي: إن رئيس حكومة إسرائيل، الرجل الذي سمح بتمويل "حماس" طوال سنوات، بملايين الدولارات، والذي اختار عن سابق قصد تقوية "حماس" والسماح لها بتمويل أنفاقها ومعداتها القتالية، والرجل الذي عقد عزمه على إضعاف السلطة الفلسطينية (عمودها الفقري حركة "فتح")، هو الذي يوضح لنا اليوم أنه لا يرغب "لا في ’حماسستان’ ولا ’فتحستان’" في غزة، من دون أن يوضح لنا ما الذي يريد تحقيقه في القطاع. طوال أشهر طويلة، حذّر جميع رؤساء المنظومة الأمنية الإسرائيلية من أنه في غياب وضع خطة لليوم الذي يتلو "حماس"، فإن إسرائيل تُبقي، عملياً، على سلطة "حماس" في غزة إلى ما لا نهاية. إلّا إن نتنياهو الذي يرفض مناقشة الأمر لأسباب سياسية داخلية، يذرّ الرماد في عيون الشعب، ويغضّ الطرف، ويدّعي أنه لا يوجد ما يناقشه بشأن "اليوم التالي" قبل القضاء على "حماس" أولاً.
  • لماذا يُعتبر الأمر غضّاً للطرف؟ لأنه لا يريد إدخال السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، لا اليوم، ولا غداً، قبل تمكُّنه من هزيمة "حماس". ومن الواضح أمام كل مَن يتحدث عن "اليوم التالي للحرب" أن هاتين المسألتين يجب القيام بهما بشكل متزامن. بمعنى: محاربة "حماس"، إلى جانب التحضير "لليوم التالي". والجميع، بمن فيهم غالانت، من الواضح لهم أن الخيار المطروح على الطاولة ليس بين خيارات ممتازة وأُخرى سيئة، بل بين خيارات أقل سوءاً، كخيار الإبقاء على سلطة "حماس"، وهو خيار سيئ قطعاً، وهناك خيار الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، وعودة الحكم العسكري والمدني إليه، وهو خيار سيئ آخر، وهناك خيار ثالث: تشكيل قوة عربية فلسطينية، تستند إلى قوات السلطة الفلسطينية، إلى جانب قوات عربية ودولية معتدلة. هذا الخيار ليس ممتازاً، لكنه الخيار الأقل سوءاً بكل تأكيد. لدى السلطة عدد كبير من المشاكل ونقاط الضعف، وبعضها نتيجة سياسة واضحة مارسها نتنياهو إزاءها، بهدف إضعافها. لكن البدائل الأُخرى في هذه اللحظة أسوأ من هذا الخيار.
  • نتنياهو يفضّل شعاراً انتخابياً فارغاً من المضمون، لكي يكسب مزيداً من الوقت على كرسي الحكم، بضعة أسابيع ربما. وفي موازاة ذلك، تقوم زمرته بمهاجمة غالانت، وتسيء إليه. بل إن بعض زعرانه بالغ، أمس، إذ هاجم هؤلاء رئيس الشاباك رونين بار ووصفوه بالخائن، بحجة لا أساس لها من الصحة، أنه أصدر أمراً لرجاله بعدم التوجه إلى الجنوب في صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر. أمّا الواقع، فهو مختلف تماماً، إذ إن رئيس الشاباك أصدر أمره إلى كل مَن يحمل سلاحاً من رجاله بالتوجه إلى الجنوب في تمام الساعة السابعة صباحاً، والقتال (ولننحي جانباً بالأمر الذي أصدره بإنزال طاقم "تكيلا" [طاقم الاشتباك التكتيكي التابع للشاباك] في ساعات الفجر، وقد أصيب أعضاء الطاقم، في أغلبيتهم، خلال القتال)، لكن آلة السموم تمكنت من نشر مقولة غير دقيقة، تم إخراجها من سياقها من أحد الآباء الثكالى، لكي يتهموا بار بالخيانة.
  • هذا هو الواقع الصعب والمحزن الذي على مواطني إسرائيل الاعتراف به. لقد أصبحت إسرائيل رهينة في يد رئيس وزراء مستعد للقيام بكل شيء، أيّ شيء، للاستمرار في الحكم. سيواصل الحرب في الجنوب والشمال كي لا يصل، لا سمح الله، إلى حالة تضطره إلى العودة إلى الانتخابات. وسيتحدث بالسوء ضد جميع رؤساء المنظومة الأمنية ومستويات الضابطية العليا في الجيش، كي لا يتحمل مسؤولية الإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل. وسيعمل في الخفاء، ومن وراء الكواليس، من أجل إرساء الحكم العسكري والمدني الإسرائيلي في قطاع غزة: هذا يعني تقديم الرعاية إلى 2.2 مليون فلسطيني، بما يشمل الاهتمام بمدّ شبكات الكهرباء، والماء، والصرف الصحي، والتعليم، والصحة، وغيرها، وكل ذلك حتى يتلافى الاشتباك مع شريكَيه الائتلافيَين، سموتريتش وبن غفير، وسيعمل من أجل إعفاء قطاع سكاني كامل من الخدمة العسكرية، لكي يحتفظ بدعم المتدينين الأرثوذكس لحكومته، وكل ذلك في ظل استمرار الحرب. هذه هي حال إسرائيل اليوم، في عيد "استقلالها" سنة 2024.