رفضت محكمة العدل الدولية في لاهاي أمس (الجمعة) طلب جنوب أفريقيا فرض إجراءات عاجلة إضافية لحماية مدينة رفح في جنوب قطاع غزة من الحرب التي تشنها إسرائيل على القطاع منذ يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنها في الوقت عينه، شدّدت على أنه يتعيّن على إسرائيل احترام الإجراءات السابقة التي فُرضت في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي في مرحلة أولية، في سياق البحث في دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.
وقالت المحكمة التابعة للأمم المتحدة في بيانها إن الوضع الخطر في رفح يتطلب التنفيذ الفوري والفعال للتدابير الموقتة التي أمرت بها المحكمة في يوم 26 كانون الثاني/يناير 2024، والتي تنطبق على جميع أنحاء قطاع غزة، بما في ذلك رفح، غير أنها أضافت أن الوضع لا يتطلب الإشارة إلى تدابير موقتة إضافية بشأن رفح.
وأضافت المحكمة أن إسرائيل لا تزال مُلزمة بالامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية والأمر المذكور، بما في ذلك ضمان سلامة وأمن الفلسطينيين في قطاع غزة.
وكانت جنوب إفريقيا أعلنت يوم الثلاثاء الفائت أنها قدمت طلباً عاجلاً إلى محكمة العدل الدولية للنظر فيما إذا كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف رفح تنتهك الأوامر الموقتة التي أصدرتها المحكمة الشهر الماضي، في سياق دعوى الإبادة الجماعية.
ووصفت إسرائيل طلب جنوب أفريقيا هذا بأنه غريب للغاية وغير مناسب، وحثّت المحكمة على رفضه. ونفت إسرائيل في بيان صادر عن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية أنها ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة، وكررت أنها تستهدف حركة "حماس" فقط.
وأمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل الشهر الماضي ببذل كل ما في وسعها لمنع الموت والدمار وأي أعمال إبادة جماعية في قطاع غزة، لكنها لم تصل إلى حدّ إصدار أمر بإنهاء الحرب.
على صعيد متصل، من المتوقع أن تعقد محكمة العدل الدولية جلسات تستمر ستة أيام، اعتباراً من يوم الإثنين المقبل، إذ ستدلي 52 دولة برأيها في سلوك إسرائيل وممارساتها في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وكذلك في قطاع غزة قبل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويأتي عقد جلسات هذه المحكمة بعد إحالة طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذه المحكمة بهذا الشأن في 22 كانون الأول/ديسمبر 2022. ولن تكون المحكمة قادرة إلّا على إصدار رأي استشاري لأن القضية أحيلت عليها من الجمعية العامة. كما أن إسرائيل لا تقبل وجود اختصاص لهذه المحكمة بشأن السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، في حين أن الطلب الذي تقدمت به جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية، وقالت فيه إن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة جماعية في غزة في الحرب الحالية، كان للمحكمة اختصاص قضائي في ذلك، لأن إسرائيل طرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وبالتالي كانت مُلزمة بمواجهة الادعاءات المقدمة ضدها.
ولا توجد للآراء الاستشارية لهذه المحكمة الدولية أي تداعيات قانونية مُلزمة لإسرائيل، ولذا، فإن التأثير على أرض الواقع ضد إسرائيل سيكون ضئيلاً. ومع ذلك، فإن أي رأي يجد عيوباً في ممارسات إسرائيل، من شأنه أن يزيد في الضغوط الدبلوماسية التي تُمارَس عليها.
وكما ذُكر، ترفض إسرائيل اختصاص المحكمة فيما يتعلق بحكمها في الضفة الغربية، بحجة أنه لا يجب إصدار آراء استشارية عندما يكون جوهر الأمر نزاعاً سياسياً، وليس قانونياً، ولذلك، فإن القدس لن ترسل وفداً إلى لاهاي لتقديم حججها المضادة.
وكانت المحكمة أصدرت في السابق رأياً استشارياً ضد إسرائيل عندما طلبت منها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 2003 الحكم على شرعية الجدار الفاصل الذي أقامته إسرائيل خلال الانتفاضة الثانية على طول الخط الأخضر ودخول أجزاء كبيرة منه إلى أراضي الضفة الغربية. وخلصت المحكمة في قرارها الصادر سنة 2004 إلى أن الجدار غير قانوني، وأنه يجب على إسرائيل تفكيك المقاطع المبنية داخل الضفة الغربية. وبما أن حُكمها كان رأياً استشارياً وغير مُلزم، فلم يكن له تأثير حقيقي، أو تداعيات قانونية على إسرائيل، ولم يتم هدم أي جزء من الجدار.
ومع ذلك، فإن مكانة محكمة العدل الدولية وسمعتها تعنيان أن ما سيحدث في الأسبوع المقبل في لاهاي سيكون له بعض الأهمية الرمزية بالنسبة إلى مكانة إسرائيل الدولية والدبلوماسية.
وعلى وجه التحديد، يسأل طلب الجمعية العامة المحكمة عن العواقب القانونية الناتجة من انتهاك إسرائيل المستمر لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وعن احتلالها المستمر منذ فترة طويلة واستيطانها وضمها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، بما في ذلك التدابير الرامية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية وطابع ومكانة مدينة القدس المقدسة واعتماد التشريعات والتدابير التمييزية ذات الصلة.
وستبدأ جلسات المحكمة يوم الاثنين، إذ ستقدم دولة فلسطين مرافعة شفوية تم تخصيص مدة 3 ساعات لها. وعلى مدار الأسبوع، ستقدم 52 دولة أُخرى، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأفريقي، عروضاً شفوية أمام المحكمة، مدة كلّ منها 30 دقيقة، بدءاً بجنوب أفريقيا.
وأعربت الجمعية العامة في قرارها عن قلقها العميق بشأن القيود الشديدة المفروضة على حرية تنقُّل الفلسطينيين، وعنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، وما وصفته بالوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة قبل الحرب الحالية.
وطالب القرار إسرائيل بوقف التهجير القسري للمدنيين، مشيراً بصورة خاصة إلى تهجير بعض التجمعات البدوية، ووقف نقل مستوطنيها إلى المناطق [المحتلة]، بما فيها القدس الشرقية، ووقف جميع النشاطات الاستيطانية، ورفع الحصار عن غزة.