النعوش التي ستصل إلى إسرائيل ستحمل جثث الذين تخلّت عنهم إسرائيل
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • الشعور بالحزن العميق والكبير الذي يخيم على المجتمع الإسرائيلي منذ معرفة خبر عودة جثامين المخطوفين، مرتبط بجذور الإخفاق يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر بقوة. النعوش التي ستصل إلى إسرائيل اليوم ستحمل معها مكونات الهزيمة التي ترافق ملايين الإسرائيليين، الذين يشعرون بها على جلدهم، وفي وعيهم، منذ أشهر طويلة. هذه المكونات تقودهم إلى فهم واحد بسيط: لقد جرى التخلي عن حياتهم.
  • يوجد في هذه النعوش أشخاص، بينهم أطفال، "حماس" هي المسؤولة عن موتهم، لكن دولتهم هي التي تخلّت عنهم. الحزن العميق عليهم سببه أن التخلي عنهم لم يكن فقط في ذلك اليوم المؤلم- 7 تشرين الأول/ أكتوبر. هذا التخلي جرى في الأيام والأسابيع والأشهر التي تلت هذا التاريخ، وتكفي قصة إيلي فيدلشتاين والتسريبات لصحيفة "بيلد" الألمانية، والتي كان الهدف منها تخريب صفقة التبادل، كي يعيش بنيامين نتنياهو، طوال عمره، وهو يحمل معه الذنب، والشعور بالعار على جبينه، وفي قلبه أيضاً.
  • ليس اعتباطاً أن تقرر أكاديمية اللغة العبرية عدم وضع كلمة "التخلّي" ضمن مسابقة "كلمة العام". إن تجنُّب وضع الكلمة في المسابقة، يبدو كأنه يكشف ما يخفيه اللا وعي، لم يجرِ حذف الكلمة لأنها تؤدي إلى تشجيع "الخلافات السياسية"، بحسب الأكاديمية، إنما العكس هو الصحيح: لقد جرى الحذف بسبب التخوف من الخلافات السياسية، ولأن نتنياهو قرّر وضع السياسة فوق الأخلاق، وأن ينجو، بدلاً من أن ينقذ، وأن يقاتل، بدلاً من أن يرحم- هذه النعوش التي وصلت اليوم، تحمل في داخلها جثة التخلّي.
  • كان يمكن الشعور بهذا الألم الحقيقي والحاد جداً في اللحظة التي أعلنت "حماس" أنها ستعيد جثث عائلة بيباس- شيري وأرئيل وكفير. استحوذ البيان على الاهتمام الجماعي لأنه فرض على الجمهور أن يتخيل الممنوع تخيُّله: كيف تُرك طفلان (9 أشهر و4 أعوام) عندما خُطفا، وجرى التخلي عنهما للموت. وذلك إمّا لأنهما خُطفا من منزلهما بهذه السهولة، وإمّا لأنهما قُتلا بنيران قوات الجيش، أو على يد "حماس". وأيّ اتجاه يذهب

الخيال فيه، ينتهي بكابوس. أمس، أُعلن أن جثة عوديد ليفشيتس، البالغ من العمر 84 عاماً، ستُعاد إلى إسرائيل.

  • يمكن أن يكون هذا هو سبب  الإحساس الكبير بالثقل اليوم: ليس الموت الموجود داخل النعوش فقط، بل أيضاً السؤال عن الحياة في هذا المكان. إنها أسئلة عن القيم التي تقود، وسلّم الأولويات، والنيات الصادقة. وأيضاً كيف وصلنا إلى هذه المفارقات، وازدياد القضايا الجنائية التي تراكمت حول نتنياهو والمقربين منه، والتي خلقت نوعاً من التدهور الأخلاقي بشأن الأمور التي كان يجب أن تكون مهمة في حياتنا: الإنسانية، والتعاطف، والتكاتف، والصدق، والنقاء. لا يجب أن تكون هذه الأمور مرتبطة بالأدلة، أو الإثباتات، أو التحقيقات؛ إن هذه الأمور عميقة ومهمة أكثر من أن تحسمها المحكمة. وكلما انشغلت المحاكم بها، كلما تم تفريغها من مضمونها المقدس، لتصبح أموراً يومية.
  • هذا ما ينطبق أيضاً على قضية لجنة التحقيق المستقلة. يجب تشكيل هذه اللجنة، وحقيقة أن الحكومة تعارض ذلك ليس سوى اعتراف مباشر بالتهمة التي تحوم حولها. لكن يبدو أن هذا هو لبّ القضية: المكان غير الفاسد أخلاقياً لا يحتاج إلى لجنة تحقيق مستقلة للإقرار بأن المسؤولين عن هذا الإخفاق، سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، مكانهم في المنزل، إن لم يكن في السجن. فقط في الأماكن الفاسدة أخلاقياً، يجري نقاش "شرعي" بشأن قضية المسؤولية والمتهمين.
  • ستحمل النعوش التي ستصل اليوم إلى إسرائيل جثثاً، بينها جثث أطفال لم يحصلوا على الأمر المفروغ منه: أن يضع المسؤولون عن اختطافهم أمام أعينهم الأخلاق كمعيار وحيد يتغلب، بكل بساطة، على كل اعتبارات الربح-الخسارة. في هذه النعوش هناك أشخاص، بينهم أطفال لم يحصلوا على الرحمة والإنسانية والتكاتف. أشخاص، بينهم أطفال، تم التخلي عنهم، فتُركوا لمصيرهم يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبعدها تم التخلي عنهم، يوماً بعد يوم، حتى موتهم. الحزن الثقيل الذي سيخيّم اليوم، حداداً  على الموت، هو أيضاً الحزن على ما تحولت إليه الحياة هنا.
 

المزيد ضمن العدد