إلى رئيس الأركان الجديد: كيف نعيد الجيش الإسرائيلي إلى سابق عهده؟
تاريخ المقال
المواضيع
المصدر
- في 14 تشرين الأول/أكتوبر 1973، أعلن قائد الجبهة الجنوبية ورئيس الأركان السابق حاييم بار ليف أن "الجيش الإسرائيلي استعاد هويته"، وذلك في يوم الانقلاب في حرب "يوم الغفران" [حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973]، حين تمكن الجيش الإسرائيلي من هزيمة القوات المصرية المهاجِمة، وانتقل بسرعة من الدفاع إلى الهجوم، وتمكّن من تخطّي عبور قناة السويس وإنهاء الحرب، بعد مرور 19 يوماً على اندلاعها، بنصر عسكري واضح.
- أمّا في حرب "السيوف الحديدية"، فلم ينجح الجيش الإسرائيلي في تكرار هذا الإنجاز، وثمة شك في أنه "استعاد نفسه"، لا بعد 7 أكتوبر 2023، ولا في الأسابيع والأشهر التي تلته. الحقيقة هي أن الجيش تعافى من الضربة التي تلقّاها، وردّ بحرب شعواء، وحقق إنجازات في القتال، مثلما جرى في حرب "يوم الغفران"، بفضل شجاعة وبطولة وتعبئة جنوده وقادته الشباب. لكن هذه المرة، لم تُترجم الإنجازات في القتال إلى انتصار في الحرب.
- طبعاً، يمكن القول إن الجيش حقق الحسم في الساحة اللبنانية من خلال عمليات مُحكمة، تذكّرنا بالجيش في الماضي، إذ تمكن خلال أسابيع معدودة من اغتيال قيادة وزعامة حزب الله وتدمير كثير من قدراته.
- لكن هنا، تحديداً، تكمن جذور المشكلة. فالراهن أن هجوم الجيش الإسرائيلي في الصيف الماضي لم يكن حرباً تهدف إلى الحسم والانتصار، بل سلسلة من المواجهات ضمن "المعركة بين الحروب"، ناجحة وفعالة، حسبما يتقن الجيش الإسرائيلي القيام بها. من هنا، يمكن فهم خيبة الأمل والإحساس بالمرارة وسط العديد من الناس، عندما وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار قبل الوقت المطلوب، وأعطت حزب الله حبل النجاة الذي سيستخدمه في الأشهر والسنوات المقبلة من أجل ترميم مكانته وقوته.
- "المعركة بين الحروب" هي مجموعة عمليات، سرية، في معظمها، وعلى سبيل المثال، شملت اغتيال كبار المسؤولين في تنظيمات "إرهابية" وهجمات جوية مركّزة على أهداف العدو. المقصود سلسلة من العمليات المحدودة والمركّزة طوال أشهر وسنوات، أدت كلّ واحدة منها إلى إنجاز باهر، لكن في نظرة إلى الخلف، فهي لم تؤدّ إلى إنجاز حقيقي واحد بعيد المدى، لا في مواجهة إيران، ولا في مواجهة حزب الله، وبالتأكيد، ليس في مواجهة "حماس". ما حدث هو أنه جرت على مذبح "المعركة بين الحروب" التضحية بقدرة الجيش الإسرائيلي على التخطيط وإدارة حرب شاملة، هدفها الحسم والانتصار.
- هناك خط مباشر يربط بين اغتيال رئيس أركان حزب الله عماد مغنية في آذار/مارس 2008، والذي قاد الحزب خلال حرب لبنان الثانية [حرب تموز/يوليو 2006]، وبين اغتيال فؤاد شكر في تموز/يوليو 2024، رئيس أركان الحزب في الحرب الحالية التي شنّها حزب الله ضدنا في 8 تشرين الأول/أكتوبر، بعد يوم واحد على الهجوم الدموي الذي شنّته "حماس". ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الطريق قصيرة إلى هجوم البيجر واغتيال حسن نصر الله. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الهجوم الجوي الناجح ضد ترسانة الصواريخ التي يحتفظ بها هذا التنظيم "الإرهابي".
- لكن عندما يكون المقصود شنّ حرب شاملة في مواجهة حزب الله، وليس فقط "معركة بين الحروب"، فإن النتيجة أقلّ نجاحاً. وبغياب رؤية شاملة بشأن كل ما يتعلق بإدارة الحرب وأهدافها، نجح حزب الله في الصمود، وهو الآن يعمل على ترميم قدراته.
- وهذه هي أيضاً قصة الحرب في غزة، فالمعارك البطولية التي خاضها المقاتلون ونجاحهم في إخضاع أيّ قوة معادية وقفت في وجههم، لم تصل إلى الحسم والانتصار، والمسؤول عن ذلك القيادتان السياسية والعسكرية.
- إخفاقات المستوى السياسي ستعالجها لجنة التحقيق الرسمية، إذا شُكّلت. لكن المقدمة يمكن رؤيتها في شهادة وزير الدفاع السابق يوآف غالانت بشأن الخوف الذي سيطر على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، عندما طلب منه الموافقة على القيام بعملية هجومية كان يمكن أن تؤدي إلى الحسم والانتصار، قبل عدة أشهر. لكن هذا لا يعفي القيادة العسكرية من المسؤولية، والتي نسيت كيف تُدار حرب شاملة، بدلاً من "معركة بين الحروب". في الأسبوع المقبل، سيتولى رئيس الأركان الجديد إيال زمير مهماته، ونتمنى منه أن يعمل على "عودة الجيش الإسرائيلي إلى سابق عهده"، وترميمه، وتحويله إلى جيش محارب، لديه روح قتالية، وقادر على خوض حرب والانتصار فيها.