حان الوقت للحديث عن مفهوم "منسّق أعمال الحكومة في المناطق"
تاريخ المقال
المصدر
- كثيرون من مواطني إسرائيل لا يطّلعون بشكل روتيني على نشاط هيئة تُدعى "منسّق أعمال الحكومة في المناطق"، وحتى أعضاء الحكومة، بمن فيهم رؤساء أركان، وألوية، وكبار مسؤولي جهاز الأمن، والذين يدركون تماماً دور هذه الوحدة، لم يعتقدوا قط أن لديها مسؤولية، أو حتى علاقة ما، بإخفاقات السابع من أكتوبر، وعندما يُسألون عن المفهوم الاستخباراتي الذي سبق "المجزرة"، وعن السلوك خلال الحرب، تتراوح إجاباتهم بين تجاهُل تام لتأثير هيئة "منسّق أعمال الحكومة في المناطق"، وبين اعتبارها وجه الجيش الإسرائيلي الإنساني: الذراع الإنسانية.
- إن "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" هو الجهة التي تعتني بسكان غزة، وتعزز العلاقات التجارية، وتنسّق دخول العمال والتجار من غزة إلى إسرائيل، قبل 7 أكتوبر، كذلك، هي تنسّق إدخال المساعدات من الهيئات الدولية خلال الحرب. ووفقاً لنظرتهم، فإن هذه الهيئة تُعنى فقط بالتنسيق؛ وكبار مسؤوليها على اتصال بالجميع: من الـUSAID وحتى لجان الزكاة القطرية، والسلطة الفلسطينية، وحتى الأونروا. منذ أكثر من 15 عاماً، يقوم المنسّق بالتنسيق مع جميع الجهات الاقتصادية في غزة: كبار تجار المواد الغذائية في القطاع، والمقاولون الذين شيدوا خلال العقد الأخير الأبراج السكنية لمصلحة المواطنين الغزيين، وأيضاً ساهموا في إزالة الأتربة من أجل بناء الرصيف الأميركي، وحتى التنسيق مع الجهات البلدية في بلدة بني سهيلا من أجل نقل أنابيب مياه جديدة وربطها مجدداً بخطوط المياه الإسرائيلية (بدلاً من تلك التي تضررت خلال الحرب).
- عندما يُراد الإثبات للعالم أن دولة إسرائيل لا تجوِّع سكان غزة، تُرسَل إلى لاهاي بيانات المنسّق بشأن عدد شاحنات المساعدات التي دخلت عبر معبر كرم أبو سالم، على أمل أن تكسب إسرائيل المديح، تماماً مثلما كنا نتوقع طوال أعوام، أن يتصرف معنا أبناء الشعب الغزّي بالطريقة نفسها: أن يكونوا ممتنين لنا لأننا نعتني باقتصادهم ومعيشتهم، وفي المقابل، أن يتخلوا عن فكرة الجهاد.
- وعندما تلجأ منظمات إسرائيلية إلى المحكمة العليا في أثناء الحرب، مطالبةً بفتح مزيد من المعابر إلى غزة وزيادة حجم المساعدات القادمة من إسرائيل، يمثُل المنسّق، اللواء غسان عليان، أمام قضاة المحكمة، ويصرّح بأن "المصريين قرروا وقف إدخال المساعدات من مصر، بسبب ظروفهم، ونحن نظّمنا الأمور خلال بضع ساعات، ويجب أن نحصل على وسام شرف لأننا نجحنا في إغراق قطاع غزة بالبضائع التي جلبها القطاع الخاص... إننا نتطلع إلى بضع خطوات إلى الأمام. نحن بحاجة إلى إلى القطاع الخاص في غزة من أجل تطوير القطاع، هؤلاء التجار الذين عملوا أعواماً مع إسرائيل من أجل تسهيل الآلية، استعداداً لليوم التالي".
منسّق أعمال الحكومة في المناطق – سلطة بلا مسؤولية
- عندما يُسأل العاملون مع "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" عن مسؤوليتهم في اليوم الذي سبق (الهجوم)، يتنصلون من أيّ مسؤولية. فبحسب ادّعائهم، هم فقط "ينفّذون سياسات الحكومة"، ولديهم طريقة للاختفاء تحت رادار الإعلام، فعندما توجهتُ، قبل نصف عام، إلى المنسّق بالسؤال عمّا إذا كانت الوحدة أجرت تحقيقاً تفصيلياً في كيفية الموافقة على إدخال الأسمنت إلى غزة، والذي استُخدم في بناء أنفاق "حماس"، والمواد الكيميائية التي وُجدت في منشآت تصنيع وقود الصواريخ، والمعادن التي صُنعت منها آلاف الصواريخ المحلية التي أُطلقت علينا من غزة، كان ردّه المقتضب: "إن تحقيقات الجيش الإسرائيلي ستُنشر بشفافية للجمهور". ومع ذلك، وعلى الرغم من مرور نصف عام، فإنه لم يُنشر أيّ تحقيق من طرف منسّق أعمال الحكومة في المناطق، وأساساً من غير الممكن نشر تحقيق لا وجود له. وفقاً للمعطيات الحالية، يبدو أن هذه الوحدة هي الجهة الأمنية الوحيدة التي لم تكلف نفسها حتى عناء فحص أدائها، أو مسؤوليتها قبل الحرب، أو خلالها.
- "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" هي هيئة مليئة بالصلاحيات غير المرئية: في الواقع، هي تسيطر على إدارة الواجهة الاقتصادية بأكملها مع غزة؛ واجهة تساوي مليارات الشيكلات سنوياً لكل الجهات التي تتاجر مع غزة، لكن عندما يتحول الحديث من الصلاحيات إلى المسؤوليات، تتكرر دائماً العبارة نفسها: تقع المسؤولية، إمّا على الجيش الإسرائيلي كهيئة أمنية، وإمّا على الحكومة كجهة سياسية، بينما يقدم منسّق أعمال الحكومة في المناطق نفسه كهيئة "تنسّق" فقط بين الطرفين، ولذلك، لا يجد نفسه مضطراً قط إلى تحمُّل أيّ مسؤولية.
هكذا وُلد المفهوم: سياسة الفصل بين "حماس" والسكان
- لا يقتصر دور منسّق أعمال الحكومة في المناطق على تنسيق إدخال البضائع إلى غزة. ففي الواقع، تعمل وحدة المنسّق، طوال سنوات، على تشكيل السياسة المزدوجة لجهاز الأمن تجاه قطاع غزة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تصريحات قادة الوحدة في الماضي والحاضر، وكذلك من خلال وثائق تعريف مهمة الوحدة: "أن تكون مركز المعرفة الوطني في المجال المدني في قطاع غزة، بما يؤثر في صوغ السياسات، ونشاطات الجيش الإسرائيلي، كعنصر من عناصر الأمن القومي"، و"بلورة السياسة المدنية تجاه قطاع غزة".
- في الواقع، وعلى مدار سنوات، كانت قيادة "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" الجهة التي تقدّم للحكومة صورة للوضع في غزة، وتشكّل السياسة الاقتصادية تجاهها. بعض هذه القيادة كان له حضور بارز في الحلبة الإعلامية بهذا الخصوص، ومن بينهم المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي اللواء بولي مردخاي، ورئيس القسم السياسي الأمني السابق في وزارة الأمن، اللواء عاموس جلعاد. فعند تولّي المنسّق الحالي منصبه، نقل إليه المنسّق المنتهية ولايته، اللواء كميل أبو ركن، الشعار التالي:
- "العنصر المدني هو الذي يؤكد تكلفة الخسارة الناتجة من ’الإرهاب’، ويشكّل جوهر عمل منسّق أعمال الحكومة في المناطق، وهو حجر الأساس لمفهوم الأمن في قطاع غزة... لذلك، عملت كثيراً على اشراك صنّاع القرار فيما يتعلق بهذا الأمر".
- لا شك في أن "منسّق أعمال الحكومة في المناطق" نجح فعلاً في تجنيد النظام بأكمله، بما في ذلك الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، للإيمان بأن محاربة "الإرهاب" تتطلب من إسرائيل توفير أفق اقتصادي للسكان.
- لقد كان شعار "منسّق أعمال الحكومة في المناطق"، منذ سنة 2011: "خلق فصل بين حماس والسكان"، ففي 14 آب/أغسطس 2022، بعد أيام قليلة على عملية "الفجر الصادق"، نشر موقع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي النظرية السائدة التي تقول:
- "حتى في ظل جولات القتال التي تحدث أحياناً، يحافظ الجيش الإسرائيلي على محاولة تحسين الواقع المدني في قطاع غزة... سياسة مدنية استباقية تركز على الجمهور".
- وفيما بعد، يصف المتحدث باسم الجيش الإنجازات المدنية:
- "تلك السياسة المدنية التي توسّع المنسّق في شرحها، تنعكس في الأساس في زيادة حجم الحركة عبر معبر إيرز بثلاثة أضعاف، وهو ما يحسّن الوضع الاقتصادي المدني في غزة. وفقط في الربع الأخير، زاد عدد العاملين بنسبة 14%، وانخفض معدل البطالة بنسبة 5.5%، وارتفع الأجر اليومي الذي بلغ 61.7 شيكل في اليوم. وبالإضافة إلى ذلك، سُجلت زيادة في نسبة الصادرات من غزة. وإذا استمرت هذه التوجهات، فإن الزيادة المتوقعة في التصدير إلى داخل إسرائيل تبلغ 93.8%، وإلى الضفة الغربية 27.7%".
- واختتم المنسّق كلماته بعبارات تبدو كأنها مأخوذة من كتب الأساطير:
- "أقترح على سكان غزة النظر إلى الخطوات التي تروّجها إسرائيل هناك، وأن يدركوا ما هو المطروح على الطاولة، وما الضرر الذي تسبّبه لهم حماس. حماس هي عدوة إسرائيل، وللأسف، أيضاً عدوة سكان غزة".
- هذا هو الفصل المثالي: "حماس الشريرة الخبيثة"، هي العدو، لإسرائيل، ولسكان غزة.
- قبل عدة أيام من ذلك، أُجريَ لقاء مع "مصدر أمني رفيع المستوى"، أوضح فيه أن نظرية الفصل تعمل بشكل جيد، لدرجة أن "حماس" نفسها أصبحت طرفاً مسؤولاً لا يشارك في القتال، وذلك حفاظاً على الاستقرار الاقتصادي:
- "قال مصدر أمني رفيع في حديث صحافي إن قرار حماس بشأن عدم الانضمام إلى جولة القتال جاء، من بين أمور أُخرى، بسبب عشرات الآلاف من العمال الغزيين الذين يدخلون للعمل في إسرائيل أسبوعياً، وهو إجراء ذو وزن اقتصادي لا يُستهان به بالنسبة إلى سكان غزة".
- لم يستبعد المصدر نفسه إمكان أن تقوم إسرائيل قريباً بزيادة عدد تصاريح العمل للغزيين داخل البلد، وربما من 14 ألفاً إلى 20 ألفاً. "قضية العمال لها تأثير كبير في القطاع"، قال المصدر الأمني، ثم أضاف: "عملنا منذ البداية على آلية مختلفة وجيدة لإنهاء العملية، ليس فقط من خلال تشديد الضربات في نهايتها، بل أيضاً مع نظرة مستقبلية نحو ترسيخ الهدوء". أمّا في المستويَين السياسي والعسكري، فيقال إن تلك الحوافز الاقتصادية المطروحة على"حماس"، مثل إدخال العمال من غزة، والتسهيلات بشأن استيراد البضائع، وغيرها، أدت إلى امتناع "حماس" من الانضمام إلى المعركة، ومكّنت من إنهائها بسرعة.
- إن التفاؤل الذي ساد المنظومة الأمنية (بقيادة منسّق أعمال الحكومة في المناطق)، والذي اعتقد أنه اكتشف طريقة لمنع "حماس" من الهجوم، سيطر فعلياً، وبشكل كامل، على التفكير السياسي والاستخباراتي والعملياتي، ولم تقف سوى قلة قليلة في مواجهته. أحد هؤلاء المؤرخ البروفيسور سمحا غولدين، والد الجندي المخطوف هدار غولدين رحمه الله، الذي لا يزال محتجزاً في غزة. حينها، احتج غولدين على خلق التمييز المصطنع بين "حماس" والجهاد الإسلامي، وبين "حماس" وغزة، وقال: "إن هذا المفهوم غير جدّي، وسندفع ثمنه في المستقبل، لكن هذا ليس محور الجدال. هذه هي الجولة الثالثة للجيش الإسرائيلي في غزة، ولا يهمني ما إذا كانت ضد حماس، أو الجهاد، الجولة هي ضد غزة. إذا كانت حماس لا تشارك، وهي مردوعة إلى هذا الحد، وأصبحت فعلاً حليفة لنا، فلماذا لا تعيد الجنود؟".
- حتى اليوم، بينما ننظر إلى سكانٍ يبدو كأنهم على وشك الخروج ضد "حماس"، ونتخيل أن تغيير الحكم في غزة سيجلب الهدوء المنشود، من المفيد أن نسأل مرة أُخرى:
- كيف يمكن لسكان غزة ألّا يساعدوا إسرائيل على استعادة المخطوفين؟