الحركة الصهيونية تلقّت جرس إنذار من لاهاي
تاريخ المقال
المصدر
- قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي الذي منحها صلاحيات النظر في طلبات الالتماس التي تتعلق بالشأن الإسرائيلي - الفلسطيني تثير مجموعة مشاعر وأفكار متناقضة ومؤلمة.
- من جهة فكرة أن ضباطاً إسرائيليين سيكونون ممنوعين من الخروج من حدود الدولة، أو لا سمح الله سيعتقلون ويسلّمون [للمحكمة]، تجعلني أشعر بالخوف. صحيح أنني من أنصار السلام، لكنني لست معارضاً للحرب بالمطلق. لدي تقدير كبير لقادة الجيش الإسرائيلي في الدفاع عن إسرائيل. وخدمت في مناصب مهمة في الجيش، وأيضاً أولادي خدموا ويخدمون كما تعلّموا في المنزل. لكن على الرغم من وجود شواذات صعبة في هذا التنظيم الكبير، فإنني أؤمن بأن الجيش عموماً هو مصدر ضوء في المجتمع الإسرائيلي.
- أتخوف جداً من أن أفراداً من الجيش في الماضي وفي الحاضر دفعوا وسيدفعون ثمن الغطرسة والقيم المشوهة وحماقة المستوى السياسي. كوني من خريجي حرب لبنان الأولى [الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982] تذكرت من خلال مسلسل "لبنان" الذي عرضته محطة "كان" الحماقة المأساوية للدخول والبقاء الطويل الذي لا لزوم له في منطقة الحزام الأمني. وهذا ما شعرت به أيضاً في فصل مسلسل "الأعداء" عن أنور السادات، والذي ذكّرني كم كانت حرب يوم الغفران [حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973] مأساوية ولا لزوم لها، وكم كان ممكناً منع المعاناة لو مدّ زعماؤنا أيديهم إلى يد الرئيس المصري الممدودة قبل الحرب، وكما فعل في نهاية الأمر مناحيم بيغن.
- بلدنا مملوءة بقبور زيادة عن اللزوم، وبنفوس مليئة بالندوب اعتقدت من كل قلبها أنها تدافع عن البلد، لكنها أُرسلت إلى مهمات لم تساهم في الدفاع عنها، وفي حالات كثيرة العكس كان هو الصحيح. ليس مفاجئاً أن تصبح أغلبية ضباط الجيش الإسرائيلي والمسؤولين الكبار في الموساد والشاباك بعد التقاعد من مؤيدي السلام، ومع استخدام الأدوات الدبلوماسية. هم يدركون حجم الأذى الذي تسببت به السياسة الحالية، سواء في الدفاع مادياً عن الدولة أم في الدفاع عن قيمنا الأخلاقية.
- لهذا السبب أتوقع من جهة ثانية أن تشكل التطورات بالنسبة إلينا جرس إنذار ينهي حالة الإنكار السائدة. تصدمني في كل مرة من جديد لامبالاة الجمهور الإسرائيلي إزاء واقع الاحتلال. أيضاً من الناحية الأخلاقية ومن ناحية تداعياته الاستراتيجية على مستقبل الصهيونية.
- مؤخراً طرأ تفاقم على الوضع على الأرض بسبب الدعم الذي منحته إدارة ترامب، وبسبب محاولة تسجيل وقائع على الأرض قبل أن تنهي إدارة بايدن التعيينات وتبدأ بالعمل بصورة كاملة. فقد طرأ على الأرض صعود مثير للقلق لخطوات تهدف إلى منع تطبيق النظام، مثل عنف المستوطنين إزاء السكان الفلسطينيين بحماية عناصر من الجيش. هذه الحوادث لا تتحدث عنها تقريباً وسائل الإعلام الإسرائيلية ولا تثير اهتمام أغلبية الجمهور.
- يفرحني أي اعتراف لجهة دولية بالدولة الفلسطينية المستقلةـ وكذلك أي انضمام فلسطيني إلى منظمات دولية على أمل أن يشكل ذلك جزءاً من عملية تؤدي إلى قيام مشروع الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل، ويمنع كارثة الدولة الثنائية القومية التي يقودنا اليها الوضع القائم [الستاتيكو].
- كيف نجمع بين هذين الجانبين المتناقضين - التخوف من أن يؤدي نجاح الادعاء في محكمة الجنايات الدولية إلى خطوات ملموسة ضد ضباط وجنود، في مقابل الجانب الذي يتوقع أن تؤدي تطورات من هذا النوع إلى إيقاظنا، وتدفع الجمهور الإسرائيلي وأيضاً حكومتنا إلى تغيير التوجه قبل فوات الأوان؟
- كنت أفضّل أن يأتي التذكير بالمشكلات الأخلاقية والاستراتيجية للاحتلال من ساحة أقل إشكالية، لكن نظراً إلى أن هذا هو الوضع القائم، من المهم الدفع قدماً بتعامل أكثر جدية مع قرار محكمة الجنايات الدولية. يجب الامتناع من توجيه الاتهامات الهستيرية بشأن عامل العداء للسامية، والتي سمعناها توجَّه بطريقة تلقائية. كما يجب تجنُّب الدعوة إلى مقاطعة المحكمة التي أُقيمت كدرس من مأساة الشعب اليهودي.
- يجب علينا أن ندعو الجيش الإسرائيلي إلى التحقيق في أي حادثة شاذة بصورة كاملة وشفافة للتأكد من عدم وقوع فظائع على الأرض تحت حمايته كما يجري مؤخراً أكثر فأكثر. لكن الأهم بالنسبة إلينا العمل على طرح موضوع الاحتلال على النقاش العام، ومحاولة الدفع قدماً لإحداث تغيير دراماتيكي لسياسة المستوى السياسي لدينا، والعمل بصورة فعالة للتوصل إلى تسوية للانفصال عن الفلسطينيين، أيضاً لو بدا هذا ساذجاً. المشروع الصهيوني كان ساذجاً في بداية طريقه، والمطلوب سذاجة صارمة لمنع زعمائنا من الاستمرار في قيادتنا في الاتجاه الحالي الذي يقود مستقبلنا إلى حائط مسدود.