"حماس" تُستنزف، والجيش يفكر في كيفية تسويق الانتصار
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • ينشر الجيش يومياً، تقريباً، صوراً لفلسطينيين مستسلمين من قطاع غزة، وليس ضرورياً أن يكون كل من يرفع يديه أو يُعتقل تابعاً لـ"حماس"، فيبدو أن أغلبهم مواطنون وجدوا أنفسهم في هذا الوضع. وعلى الرغم من ذلك، فإن الصور التي لم نر مثلها على مدار شهر ونصف الشهر من القتال البرّي يمكن أن تعكس بدء التغيير. فقد تم التقدم كثيراً في مخيم جباليا للاجئين، ولا تزال تدور معارك ضارية في الشجاعية شرقي مدينة غزة، كما أن الضربات الإسرائيلية العنيفة تستنزف، بالتدريج، الكتائب التابعة لـ"حماس"، والتي يقاتل بعضها حتى الموت، وهناك من يستسلم منها إذا في حال عدم تمكنه من الهرب من هناك عبر الأنفاق.
  • وقد ادعى ضابط كبير أمس أن الجيش يرى في الأيام الأخيرة "إشارات إلى انكسار ’حماس‘؛ إذ أن حجم الضرر والدمار يخلق مشكلات في القيادة والسيطرة. وهناك بعض المناطق أصبحت خارج السيطرة العسكرية للتنظيم." من المحتمل أن يكون التعريف الأكثر دقة حذراً هنا هو "إشارات استنزاف"، لا "انكسار". وإن "حماس"، كالجيش، تقاتل منذ أكثر من شهرين في أوضاع صعبة، لكن على عكسه، فقد استطاعت تسجيل إنجاز عسكري كبير في بداية المعركة، خلال "المذبحة المرعبة" التي حدثت في 7 تشرين الأول/أكتوبر.
  • إلاّ إن الصورة قد تغيرت منذ ذلك الوقت؛ ففي شمال القطاع هناك دمار هائل جداً، وقد قُتل الآلاف من نشطاء التنظيم وأغلبية ضباطه الكبار في الألوية الشمالية، ومن يستمر في القتال، يحارب في أطر صغيرة نسبياً. ويبدو من التحقيقات مع "المخربين" المعتقَلين لدى الجيش الإسرائيلي أن القوات تعمل بحد أدنى من التواصل فيما بينها. وليس لديها بالإضافة إلى قيادات "حماس"، صورة كاملة عما يحدث فوق الأرض. وفي هذا الإطار، فإن الجيش يتمنى أن يسيطر على جباليا خلال الأسبوع الحالي وفي السيناريو المتفائل، أن يتغلب أيضاً على أغلبية المقاومة الموجودة في الشجاعية حتى نهاية الأسبوع.
  • يمكن أن يسمح هذا بإعادة الانتشار في شمال القطاع، على الرغم من أنه من المتوقع أن تكون هناك محاولات لمفاجأة القوات من الوراء، في مناطق أُخرى يبدو فيها أن القتال قد انتهى. وفي الأساس، سيكون من الممكن تركيز الجهد في الهجوم الحالي على خانيونس، حيث تقدُم القوات أسرع قليلاً مما كان متوقعاً. وفي الوقت نفسه، ستكون هناك حاجة إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يجب توسيع الحملة في الجنوب إلى مناطق لم يعمل فيها الجيش حتى الآن (رفح أو مخيمات اللاجئين في وسط القطاع). ويقدّر الجيش المدة التي يمكن لهذه الخطوة أن تستغرقها بشهر ونصف، بينما تطمح الإدارة الأميركية إلى أن تنتهي خلال ثلاثة أسابيع.
  • وبعد ذلك، من المفترض أن تبدأ المرحلة الثالثة من الحملة، بعد الضربات الجوية في بداية الحرب والعملية البرّية الواسعة من بعدها، ستكون الإجراءات كالتالي: خفض القوات، وتسريح جزء من جيش الاحتياط، وإقامة منطقة عازلة بالقرب من الجدار داخل قطاع غزة، بالإضافة إلى سلسلة من الاقتحامات العنيفة والمستمرة، تهدف إلى نزع القدرات العسكرية المتبقية لدى "حماس". وهذه خطة واسعة تمتد على مدار العام المقبل، وفي هذه المرحلة ستكون أمام الجيش مشكلتان مركزيتان؛ الأولى هي كيف يمكن تسويق ما جرى تحقيقه كنجاح أمام المجتمع الإسرائيلي، مع الأخذ في الاعتبار التغيير في نموذج القتال. وفي حال لم تنضج الأوضاع خلال هذه الفترة لإعادة مزيد من الرهائن من الـ137 الموجودين لدى "حماس"، أو لم تحدث حالة استسلام جماعي لـ"المخربين"، أو اغتيال لأعضاء كبار في القيادة الكبيرة للتنظيم - وعلى رأسهم يحيى السنوار - فهل سيقبل الرأي العام بخفض حدة  القتال؟ لا يزال لدى إسرائيل بعض الوقت للوصول إلى جزء من هذه النتائج، وإذا حالفها الحظ وقتلت السنوار، فستكون أيضاً فرصة لتسريع صفقة الرهائن.
  • أمّا المشكلة الثانية، فهي أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يستمر في رفضه القاطع لأي حوار بشأن المرحلة الرابعة، وهي الوضعية الملائمة لنهاية الحرب، أو ما يُسمى بالـ"يوم التالي". إن تهرُّب نتنياهو يثير حالة من عدم الوضوح الاستراتيجي، ويصعب الأمر على تحقيق أهداف الحرب، بالإضافة إلى أنه أيضاً يعزز التوترات حيال الإدارة الأميركية التي تريد تنسيق الخطوات مع إسرائيل، ومقتنعة بأن المطلوب هو إعطاء موطىء قدم للسلطة الفلسطينية في غزة من أجل إقناع الدول العربية بالعمل لإنشاء واقع جديد في القطاع.
  • خلال نهاية الأسبوع الماضي، استعملت الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" ضد مشروع قرار فوري يطالب بوقف إطلاق النار في القطاع، وقد شكر نتنياهو الرئيس بايدن على هذه الخطوة. لكن أدوات الضغط الكبيرة لدى بايدن لا تُحصر في استعمال حق النقض "الفيتو" لمصلحة نتنياهو، فهو أيضاً لديه سيطرة على مخزون السلاح؛ فمنذ بداية الحرب، تحصل إسرائيل على كميات مهولة من السلاح والأدوات القتالية من الولايات المتحدة. وتكمن المشكلة في أن القتال في المناطق السكنية يستهلك كميات كبيرة من السلاح، وعلى الجيش أن يحافظ طوال الوقت على عين مفتوحة في الشمال، وإذا تم جرنا في نهاية المطاف إلى حرب ضد حزب الله، فستكون هناك حاجة إلى كميات كبيرة جداً من الأسلحة المتطورة، وبايدن هو من يملك هذا المفتاح.

إشارات النهوض

  • إن تقدُّم العملية في القطاع يطرح أسئلة بشأن حلفاء إيران و"حماس"، فحزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، كلاهما سيعززان من عملياتهم بهدف تهديد الجيش. ولا يزال حزب الله، على الحدود مع لبنان، يستمر بوتيرة تتجاوز الـ10 هجمات يومياً على قوات الجيش؛ إذ أُصيب أمس جنديان بجروح متوسطة في حادثة في الشمال. أمّا في البحر الأحمر، وبحسب أخبار نهاية الأسبوع، فإن سفينة فرنسية اعترضت مسيّرتين هجوميتين تم إطلاقهما من اليمن، وهذا في الوقت الذي هدد فيه الحوثيون بالهجوم على كل سفينة متجهة إلى إسرائيل.
  • وقد قال رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، يوم السبت خلال مقابلة مع القناة 12 إن الوضع في الشمال سيتغير، وبحسبه، فإنه في حال لم يوافق حزب الله على انسحاب قوات "رضوان" إلى شمال نهر الليطاني كجزء من خطوة دبلوماسية، فإن إسرائيل ستذهب إلى خيارات أُخرى من أجل فرض واقع جديد، وهي هنا تهدد الحزب بصورة واضحة جداً في محاولة لدفع المجتمع الدولي إلى ترتيبات سريعة، لكن تقديرات الجيش هنا، كتقديرات هنغبي، تشير إلى إمكانات نجاح منخفضة.
  • لذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار إمكان أن تتحرك إسرائيل عسكرياً لتغيير الوضع القائم، أو ربما أن يدرس حزب الله توجيه ضربة استباقية ضد إسرائيل. وحتى لو حدث تقدُّم في غزة، فإن هذا التقدُّم لن يحل الإشكالية في الشمال، ومن الممكن أن يكون حسن نصر الله، قائد حزب الله، قد تفاجأ من استعداد إسرائيل لاحتلال جزء كبير من القطاع على الرغم من المخاطر، لكن هذا لا يعني أنه سيبادر إلى إبعاد رجاله من الحدود قريباً.
  • أمّا بشأن اليمن، فإن إسرائيل تأمل أن يكون التهديد المتصاعد على الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس سبباً لينهض المجتمع الدولي. وفعلاً، هناك إشارات أولية إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تأخذ التهديد بجدية أكثر، وهذا إلى جانب جهود تنسيق أكثر لخطوات دفاعية ضد استمرار هجمات الحوثيين. إن إسرائيل لا تريد أن تكون في الواجهة أمام هذه الجبهة، على الرغم من أن السفن المستهدفة الأساسية هي سفن بملكية شركات إسرائيلية جزئياً.

عناد غير مبرَر

  • بعد أكثر من شهرين على القتال الذي يستنزف الجنود وعائلاتهم نفسياً، تم أمس تسريح جزء من قوات الاحتياط التي تم تجنيدها في الأيام الأولى للحرب من القطاع واستبدالهم بقوات احتياط أُخرى. وخلال الأسابيع الأخيرة، بدأ الجيش يبذل جهوداً أكثر قليلاً من أجل إخراج جنود الاحتياط إلى استراحة قصيرة في المنزل.
  • لكن لم يتصرف الجيش بالطريقة نفسها مع الوحدات النظامية؛ إذ أن جزءاً من المقاتلين في الجيش النظامي لم يعودوا إلى المنزل منذ بداية الحرب، وفي بعض الوحدات، تم إعطاء فرصة القوات للتنفيس عن أنفسهم في المناطق الحدودية فقط، وجزء منهم لم يتم السماح لأهلهم بلقائهم حتى بعد خروج الوحدة من القطاع، وكان هناك بعض الوحدات التي تبنّى فيها الضباط خطاً أكثر ليبرالية، وسمحوا بلقاءات قصيرة.
  • وبالنسبة إلى وحدة المظليين، فهي لم تخرج حتى من القطاع، وعلى عكس بقية الوحدات، لم تحصل حتى على رسائل من العائلات. وهذه الوحدة تقاتل بشجاعة ومهنية في القطاع، وقد فقدت كثيراً من المقاتلين خلال المعارك، ولديها عموماً ميل إلى أن تكون أكثر حدّة من المقاتلين الآخرين. وعلى الرغم من ذلك، فيبدو أنه قد آن الأوان ليقوم مسؤول كبير، ويأخذ قائد الوحدة جانباً، ويخبره بأن اصراره على هذه الطريقة في التعامل مع جنوده على مدار أكثر من شهرين لن يتحول إلى حكمة، فالقتال في جميع الأحوال صعب بما فيه الكافية.
 

المزيد ضمن العدد