نتنياهو يؤجّل النهاية، لا يوجد حل آخر
المصدر
قناة N12

موقع إخباري يومي يضم، إلى جانب الأخبار، تعليقات يكتبها عدد من المحللين من الشخصيات الأمنية السابقة، ومن المعلّقين المعروفين.

المؤلف
  • وصلت الحرب في غزة إلى ساعة الحسم، والخيار الآن أمام إسرائيل؛ إمّا أن تخرج بإنجاز سيؤثر في استقرارها في الأعوام الـ10 المقبلة، وإمّا أن تستنزف وتنزف لأعوام طويلة. كل شيء يتعلق بقرار الكابينيت، وبصورة أدق، قرار رئيس الحكومة إذا سمح للكابينيت بأن يقرر ما سيؤدي إلى النجاح في الحرب، والامتناع من اتخاذ القرار معناه ضرر كبير على إنجازات الحرب والأمن القومي فيها.
  • وبعد 4 أشهر تقريباً، اقترب الجيش، في أطول حرب منذ حرب الاستقلال، من إنهاء المرحلة الأكثر حسماً؛ المعركة في خان يونس، ومن دون شك، فإن هذه هي المعركة الأصعب والأكثر تعقيداً في مواجهة قيادة "حماس"، والبنى، ومقرات القيادة الأقوى التابعة للجيش "الإرهابي"، الذي كان لدى مقاتليه استعداد كبير جداً للتضحية، وبعد هزيمتهم، فستكون خان يونس قد هُزمت عملياً.
  • إن مصادر تعاظُم قوة التنظيم الأساسية موجودة في المخيمات، التي تتواجد فيها مراكز التصنيع والتسليح والتكنولوجيا، والتي جرى تدميرها بالكامل. وهذا، طبعاً، هو الإنجاز الأكبر بالنسبة إلى الجيش الذي يقاتل بصورة استثنائية، وإذا نجح، فسيصل قريباً إلى قيادات "حماس" نفسها، وسيكون هذا إنجازاً استراتيجياً حاسماً. وحتى إذا لم ينجح، واستطاع السنوار الهرب مرة أُخرى، فإنه لا يزال لدى الجيش إنجاز جدّي في كل ما يخص هذه المعركة، ويمكن ترجمته إلى إنجاز سياسي مستقر.
  • إن الأهداف اللاحقة ذات أهمية ثانوية بالمقارنة مع خان يونس، ولا تشكّل أي أداة ضغط للوصول إلى إنجاز سياسي، فعلى سبيل المثال، إن تفكيك كتائب رفح هو أمر مشكوك في إمكان حدوثه في ظل الأوضاع الحالية من دون خطوة منسقة مع مصر والأميركيين، وخطوة كهذه ستتطلّب تحريك مليون لاجئ موجود في المدينة، واشتباكاً مع مصر، وأموراً أُخرى. والمقصود هنا خطوة معقدة مع إنجازات محدودة ومخاطر عالية، بالإضافة إلى أنه من المتوقع أن تقرر كتائب رفح الموجودة هناك الخروج مع النازحين بدلاً من القتال، وأن تعود إلى المنطقة في وقت متأخر أكثر، وسيجد الجيش نفسه يقاتل مواقع فارغة. لذلك، فمن الأفضل استعمال رفح كتهديد بدلاً من احتلالها فعلاً.
  • إن "حماس" بطبيعتها تنظيم "إرهابي"، وليست تنظيماً عسكرياً، وتعود بعد كل ضربة تتلقاها من الجيش إلى بنيتها الأساسية؛ خلايا "إرهابية" مستقلة، تنهض وتنمو من جديد في كل مكان يتركه الجيش، ولا يوجد فراغ في الميدان. ونظراً إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع أن يكون في كل مكان طوال الوقت، وبسبب غياب الحكم المدني البديل، فإن السيطرة المدنية ستبقى في يد "حماس"، وهذا ما يسمح لها ببناء نفسها من جديد وبسهولة، وهذه هي نقطة الضعف المركزية الموجودة الآن أمام قدرة الجيش على الحسم. وطالما لا تزال لدى "حماس" سيطرة مدنية في القطاع، فسنرى حالة شبيهة بما حدث الأسبوع الماضي في شمال القطاع، فقد كان يتعين على الجيش أن يعود مرة أُخرى إلى المنطقة نفسها التي حسم القتال فيها، من أجل تفكيك "الإرهاب" الذي نهض من جديد، وهذا ما يجب القيام به في كل مرة من جديد إذا لم تتواجد في المكان بنية قيادية مدنية تحافظ على المنطقة نظيفة.
  • عملياً، وبعكس توصيات جميع رؤساء أجهزة الأمن، ووزير الدفاع، وغانتس وأيزنكوت، وأيضاً بعكس أهداف الحرب، فإن نتنياهو لا يزال يمتنع من مناقشة أمر الإدارة المدنية في غزة، ناهيك بتغيير حكم "حماس" التي لا تزال لديها السيطرة والقدرة على الحكم وإدارة غزة. ولقد حصلت "حماس" على أكثر من 100 مليون دولار عبر سيطرتها على محور المساعدات الإنسانية في غزة، وهو ما حافظ على قوّتها العسكرية والمدنية، وسمح لها بمراكمة القوة. وقد سألني أحد الصحافيين الأجانب الكبار ما إذا كان من الممكن أننا ندير هذه المعركة الصعبة بيدٍ، ونقوي "حماس" عملياً باليد الثانية، فطلبتُ منه بأدب أن ينتقل إلى السؤال التالي.
  • إن الامتناع من اتخاذ القرار، وحالة استمرار القتال من دون وضع أهداف، يثبّت القوات في غزة، ويضر بصورة مباشرة بالقدرة على التجهيز للمعركة في الشمال. وفي هذا الوقت، سيتوجب على الجيش أن يركز قواته، ويجدد مخزون الذخيرة، ويتجهز للمعركة هناك، حتى لو كانت هناك نيّة لحل الأزمة. أمّا في الوضع الحالي، فإن بقاء القوات في غزة يضر بصورة مباشرة بحل مشكلة الشمال.
  • وفي الوقت نفسه، فإن الجيش مطالَب بالاستعداد لإمكان التصعيد في الضفة، فالوضع هناك متوتر جداً، ويتأثر بصيرورة 100,000 عامل، كانوا يعملون في إسرائيل ويمولون مليون إنسان، عاطلين عن العمل، وأغلبهم في حالة جوع. وليس الأمر فقط أن الحكومة لا تقوم بأي شيء لحل هذه المشكلة، بل أيضاً تمتنع من نقل الأموال [من الرسوم التي تجبيها إسرائيل على المعابر]، وهو ما أدى إلى تخفيض رواتب 60% من أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي يتوجب عليها في هذا الوقت، بصورة خاصة، أن تعمل لمنع انفجار الأوضاع. وعندما تذهب قوات الأمن إلى المنزل من دون راتب، ويوجد نحو مليون شخص من دون مصدر رزق، فإن انفجار الأوضاع سيتحول إلى مسألة وقت، ومن غير الواضح كيف سنتعامل مع انتفاضة في الضفة، في الوقت الذي تنتشر فيه القوات في الشمال، ولا يزال الجيش يقاتل في غزة، وهذا سبب إضافي لوجوب البدء بإزاحة غزة من المعادلة، وعدم التورط هناك.
  • وعلى الرغم من الشرعية التي كانت في بداية الحرب، فإن استمرارها سيؤدي إلى نفاد الشرعية الدولية التي وصلت إلى نهايتها، بالتشديد على نفاد الصبر لدى الأميركيين الذين يعانون جرّاء أزمة ثقة برئيس الحكومة الإسرائيلية، والذي هو، في نظرهم، محكوم بالمتطرفين في حكومته، ولا يملك القدرة على اتخاذ قرارات سياسية يجب اتخاذها. وبسبب عدم وجود أي اقتراح لحل سياسي من طرف إسرائيل، فهناك حالة من عدم الثقة المتصاعدة في واشنطن والدول الأوروبية بشأن نيّة نتنياهو أصلاً إنهاء الحرب. والسبب المركزي وراء عدم اعتراف الولايات المتحدة وحلفائها (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) حتى الآن بحل الدولتين لشعبين كحل يشمل رام الله وغزة، والاعتراف بالسلطة الفلسطينية كدولة، هو موضوع الرهائن والرغبة في صفقة، وفي اعتقادي، فإنه سيكون هناك اعتراف بعد الصفقة، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية البريطاني الأسبوع الماضي.
  • وإذا عاد رئيس الحكومة إلى رشده وسارع إلى الدفع بحل سياسي مريح لإسرائيل، فإنه سيستطيع بذلك أن يدفع إلى النهاية المرغوب فيها للحرب، وبالتالي نهاية أفضل لإسرائيل، تكون بالموازاة مع صفقة تبادل رهائن، تضع "حماس" شروطها. وعملياً، يبدو أن هذا لن يحدث بسبب خوفه من الشركاء في الائتلاف الذين يفشلون في قراءة الواقع، ويتمسكون بمواقفهم، وكذلك بسبب عدم رغبة رئيس الحكومة في تحمُّل المسؤولية عن سياساته بتقوية "حماس" وإضعاف السلطة لأعوام طويلة. ولذلك، فمن المتوقَّع أن يفرض الأميركيون حلاً، ومن الممكن أن نتنياهو يفضّل ذلك بسبب ضعفه.
  • إن سياسة التمترس تجعلنا نخسر فرصة استراتيجية أُخرى؛ فالولايات المتحدة والدول الداعمة تنجر رغماً عنها إلى داخل "منظومة الشر" الإيرانية في الإقليم، وتتلقى ضربات من اليمن، مروراً بالعراق، وصولاً إلى سورية والأردن، موجَّهة أساساً ضد الأميركيين. وفي الوضع الحالي، لا يوجد لدى بايدن مهرب كي يتفادى اللسعات التي توجهها الإمبراطورية التي بنتها إيران، ورويداً رويداً سيفهم أن عليه أن يعالج الرأس، وليس الأطراف.
  • وإقليمياً، فإن هذه فرصة تاريخية لإعادة بناء الائتلاف المعتدل الذي يتشكّل من الولايات المتحدة والدول السنية المعتدلة إلى جانب إسرائيل ضد إيران، وحتى العمل ضدها أيضاً. ومن أجل حدوث ذلك، وكي تحصل إسرائيل على بطاقة دخول النادي، والدعم لضرب حزب الله أيضاً، فسيكون عليها أن تقبل اقتراح بايدن، وأن تُدخل إلى غزة السلطة الفلسطينية "المحسَّنة".
  • لقد وصلت الحرب في غزة إلى مرحلة الضربات، وافتراض أن لدينا وقتاً لأشهر طويلة هو خطأ، إلاّ إذا كانت إسرائيل قد وضعت لنفسها خطة خاصة بها لتربح وقتاً.
  • ولقد استندت السياسة الأمنية الإسرائيلية دائماً إلى سلّم أولويات، وفضّلت جبهات على أُخرى كي تتفادى مشكلة أن تكون على أكثر من جبهة، وألاّ تستطيع أن تحسم. ويبدو أن رئيس الحكومة يتجاهل التحذيرات مرة أُخرى، ولا يتخذ قرارات، والثمن هذه المرة سيكون ضرراً في إنجازات الحرب والقدرة على الحسم في الشمال، وفشلاً سياسياً.
 

المزيد ضمن العدد