استقالة هاليفا قلبت الساعة الرملية لرؤساء أجهزة الأمن
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • استقالة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية المركزية أهارون هاليفا هي الخطوة المطلوبة في هذه الظروف. سيقول البعض إنه كان يجب عليه تقديمها منذ وقت. ففي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر نفسه، عندما تبين حجم المأساة والإخفاق في المنظومة، كان من الواضح أن لا أحد من المسؤولين الكبار يستطيع التهرب من المسؤولية، والاستمرار في منصبه بشكل طبيعي. وفي رسالة استقالته صباح يوم الاثنين، قام هاليفا، عملياً، بقلب الساعة الرملية لبدء العد التنازلي لاستقالة مسؤولين آخرين في الجيش، وأيضاً في "الشاباك"، إلى حد ما. فبعد أكثر من نصف عام، كان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أول المستقيلين، وقريباً سيحذو حذوه مسؤولون آخرون، بعضهم ينوي القيام بذلك في أثناء ذكرى الجنود القتلى ويوم "الاستقلال".
  • وكالعادة، لا يمكن تجاهُل حقيقة أن هناك رجلاً واحداً لا يزال يرفض تحمُّل المسؤولية عن المأساة التي حلّت خلال ولايته، وإلى حد ما، نتيجة سياساته - رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ما سيحدث الآن هو أن آلة "البروباغندا" الخاصة به ستجد أهدافاً جديدة، بدلاً من هاليفا، من أجل تحويل النار إليها والمطالبة باستخلاص العبر. وكما يتصرف نتنياهو، يتصرف أيضاً كثيرون من الوزراء في حكومته، الذين يتعاملون مع إسقاطات الكارثة بلا مبالاة (نحو 1200 قتيل وأكثر من 250 مخطوفاً في يوم "المذبحة"، وأكثر من 300 قتيل منذ ذلك الوقت)، ويبدو أنهم نسوا أن هناك 133 رهينة إسرائيلية ما زالوا في قطاع غزة.
  • فشل منظومة الاستخبارات يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كان كارثياً. ولا يتحمل هاليفا المسؤولية كلها؛ فكثيرون يشاركونه في المسؤولية والتهمة. أدارت إسرائيل، بقيادة نتنياهو، سياسة "فرّق تسُد" على مدار أعوام طويلة - تنمية نظام "حُكم حماس القاتل" (غالباً بهدوء)، على حساب النظام الإشكالي التابع للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. فبعد حملة "حارس الأسوار" في أيار/مايو 2021، والتي انتهت بتعادل، أقتنع المستوى السياسي ومنظومة الأمن بأن "حماس" مرتدعة وضعيفة، وتعيش حالة اعتدال، ولا تسعى لمواجهة عسكرية إضافية. التحول الاستراتيجي الذي جرى للحركة - في صيف 2021 ومن الممكن قبل ذلك - تمت إضاعته كلياً.
  • وفي الوقت الذي بدأت "حماس" تتجهز بشكل مستمر لمعركة كبيرة تغيّر الواقع، ركزت إسرائيل في القطاع على مواجهات وتبادُل إطلاق النار مع حركة "الجهاد الإسلامي"، ورأت في قرار الحركة، الوقوف جانباً، دليلاً على قوة سيطرتها على الوضع. الوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية نجحت في الوصول إلى الخطط العملياتية لحركة "حماس"، وهي التي خرجت إلى حيز التنفيذ في يوم "المذبحة"، إلّا إن القيادة الأمنية لم تصدق أن الحديث يدور حول حدث حقيقي، ولم تتجهز لذلك. لم تقُم شعبة الاستخبارات العسكرية و"الشاباك" بصوغ منظومة تحذير بهدف متابعة الخطة وإحباطها.
  • المسمار الأخير في نعش الإخفاق دُقّ في ليلة 7 تشرين الأول/أكتوبر، إذ جرت سلسلة من المشاورات في قيادة الجيش و"الشاباك"، فسيطرت حالة من العمى الكامل - ساد التفكير في أن "حماس" لا تتجهز لهجوم، وأنها غير قادرة على تنفيذ هجوم بكتائب في 60 نقطة اختراق في الوقت نفسه- الأمر الذي شوّش على القدرة على قراءة الإشارات الميدانية، كتغيير شرائح الهواتف الخليوية بعشرات الهواتف التابعة لـ"مخربي حماس"، وتحذير منظّم وفوري لرفع درجة الجاهزية.
  • كان لهاليفا دور مركزي في كل هذه الإخفاقات التي أدت إلى النتيجة المرعبة. ولأنه إنسان ذكي ويعرف كيف يعمل النظام، لقد فهم منذ بداية العاصفة أن عليه الاستقالة. ما لم يتوقعه هو حجم الأزمة الداخلية في شعبة الاستخبارات العسكرية، والذي انعكس في الخلافات بين الجنرالات وحجم التسريبات الكبير. الآلة التابعة لبنيامين نتنياهو وضعت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية كهدف واضح، وذلك بسبب تصريحات بعض أفراد عائلته سابقاً ضد الانقلاب الدستوري. وفي رسالة الاستقالة التي أرسلها إلى قائد هيئة الأركان هرتسي هليفي، طالب هاليفا بإقامة لجنة تحقيق مستقلة لفحص الأسباب التي أدت إلى "المذبحة". هذه أيضاً توصية مطلوبة، لكن يمكن أيضاً رؤيتها على أنها وداع لنتنياهو: التحقيق المستقل هو آخر ما يريده رئيس الحكومة.
  • تُعتبر شعبة الاستخبارات العسكرية، إلى حد بعيد جداً، مسؤولة عن الكارثة، على الرغم من نجاحاتها الكبيرة في المناورة البرية في القطاع، وفي القتال ضد حزب الله. رئيس قسم الأبحاث الجنرال عميت ساعر، الذي برز كمسؤول عن التقديرات الخاطئة، استقال من منصبه قبل بضعة أسابيع، بعد أن تم تشخيص إصابته بالسرطان. يشغل منصبه الآن الجنرال إيتاي بارون، وهو ضابط في جيش الاحتياط، لديه خبرة، وكان استُدعي من أجل المساعدة. مسؤولون كبار آخرون، ما زالوا مترددين في موعد تقديم الاستقالة. هليفي ووزير الدفاع يوآف غالانت - كلٌّ منهما تحمّل المسؤولية عن الإخفاق، ولم يستقِل - عليهما الآن اتخاذ قرار تعيين رئيس لشعبة الاستخبارات.
  • يبدو أن هليفي يميل إلى تعيين الجنرال شلومي بيندر، وهو ضابط متميز قاد سابقاً "سييرت متكال"، واليوم يشغل منصب رئيس قسم العمليات. سيكون هذا القرار إشكالياً: خبرة بيندر في المناصب الاستخباراتية محدودة، كما أن الرد البطيء من هيئة الأركان، وضمنها وحدة العمليات، على هجوم "حماس"، هو من القضايا المركزية التي يتم البحث فيها في التحقيقات الداخلية للجيش. إمكان آخر هو تعيين موقت أو ثابت لمسؤولين كبار سابقين في شعبة الاستخبارات العسكرية، كالجنرالين في جيش الاحتياط نيتسان ألون وليؤور كرمي. وفي هذه الحالة أيضاً، لن يمرّ الخيار من دون نقاشات صاخبة.
  • إسقاطات الاستقالة صباح الاثنين ستضرب كثيراً من الأمواج، حتى خارج حدود شعبة الاستخبارات ذاتها. رئيس هيئة الأركان، ورئيس "الشاباك"، وعدد كبير من المسؤولين الكبار في الجهاز، وأيضاً قائدا منطقة الجنوب الحالي والسابق، ورئيس قسم العمليات، وقائد كتيبة غزة، ومسؤولون كبار آخرون - جميعهم موجودون على قائمة المسؤولين الفورية، ويمكن الاعتقاد أنه سيكون عليهم استخلاص العبر. يمكن أن يحدث هذا الأمر مباشرة بعد استكمال التحقيقات الداخلية، في مطلع شهر تموز/يوليو، ومن الممكن قبل ذلك أيضاً. الهدوء النسبي في القتال، إلى جانب الشعور المبرر في المجتمع بأن الحرب على جميع الجبهات عالقة، وأن إسرائيل في حالة جمود وتورُّط استراتيجي، أمور كلها تجدد النقاش بشأن السؤال عن المسؤولية ومعناها. هاليفا، بقراره المفهوم بالاستقالة، يسرّع ذلك. وكما ذُكر سابقاً، وحده رئيس الحكومة يستمر في التصرف كأن الأمور لا تعنيه.