دروس من فشل اليونيفيل: إسرائيل لا تستطيع الاعتماد على ترتيبات أمنية برعاية الأمم المتحدة
المصدر
معهد القدس للاستراتيجيا والأمن

معهد يقدم مشورة سياسية وأمنية للقيادة الإسرائيلية، ويطرح سياسات براغماتية تهدف إلى المحافظة على أمن إسرائيل. تأسس في العام 2017. رئيسه الحالي هو إفرايم عنبار.

المؤلف

كيف وُلد قرار مجلس الأمن 1701؟

  • كل الزعامة السياسية في إسرائيل في صيف 2006؛ مِن رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ووزير الدفاع عامير بريتس، ساهمت بصورة  فاعلة، وبادرت إلى اقتراح الخطوات نحو إنهاء حرب لبنان الثانية، وذلك بعكس أغلبية الحكومات في إسرائيل، وقد أولوا منذ ذلك الحين أهمية للبعد الدولي المتعدد الأطراف لترجمة نتائج القتال، بما في ذلك العملية البرّية التي قامت بها إسرائيل خلال مراحل نهاية الحرب من أجل تشكيل واقع أمني جديد يحقق الهدوء على الحدود الشمالية لإسرائيل من دون التوصل إلى اتفاق سياسي مباشر مع الحكومة اللبنانية.
  • واعتُبر توسيع صلاحيات اليونيفيل، التي أُنشئت سنة 1978 بعد عملية الليطاني، مكوناً مركزياً في هذه التسوية. كان الوجود كبيراً (11 كتيبة، مقارنةً بـ 4 في سنة 2000، وكتيبتان سنة 2006)، على الأقل على الورق، وجرت إعادة تحديد المهمات والقدرة على تطبيق الاتفاق لمنع عودة سيطرة حزب الله على جنوب لبنان، وهذه القوة التي انضمت إليها قوة بحرية أُعطيت صلاحية منع الحزب من مواصلة تعاظُم قوته العسكرية، ولاحقاً، كان الهدف من القرار 1701 تطبيق القرار 1559 الصادر في أيلول/ سبتمبر 2004، والذي كان من المفترض أن يرسّخ سيادة لبنان ويؤدي إلى نزع سلاح الميليشيات المسلحة كلها، بمن فيها حزب الله.
  • فعلياً، فقط القليل من هذا كله تحقق، لكن ما دام الهدوء مستمراً بصورة كاملة تقريباً على الحدود الشمالية في الـ 17 عاماً الماضية، منذ حرب لبنان الثانية وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد كان اختيار إسرائيل تأييد التجديد مرة تلو الأُخرى لقوات اليونيفيل، وقد عبّرت عن ذلك في المداولات النصف السنوية لمجلس الأمن. ظاهرياً، بدا أن وجود هذه القوات ساعد في استقرار منظومة العلاقات المعقدة مع حزب الله، وعمل إلى حد ما على إرساء آلية للردع المتبادل.

أدلة على فشل اليونيفيل

  • في اليوم التالي للموافقة على وجود هذه القوات، ساد اعتقاد في إسرائيل لمدة طويلة، وحتى نشوب الحرب الحالية، فحواه أن الأمر ليس فقط أن قوات اليونيفيل لم تقم بكل مهمتها، بل أيضاً أنها لم تقم بالحد الأدنى من عملها لمنع تمركز حزب الله باعتبارها القوة المسيطرة على جنوب لبنان، كما لم تعمل ضد تعاظمه كقوة مسلحة أقوى كثيراً من الحكومة اللبنانية ذات السيادة (ظاهرياً). ويمكن توصيف هذا الفشل بمصطلحات رياضية بسيطة:
  1. صفر حوادث؛ لم تقع أي حادثة خلال السنوات التي عملت خلالها اليونيفيل من أجل منع انتشار عناصر حزب الله في جنوب لبنان، وحتى بالقرب من الحدود، وإقامة منظومات عسكرية واسعة النطاق ومتطورة، وتخزين كبير للسلاح في جنوب لبنان، الأمر الذي يتعارض تعارضاً كاملاً مع مضمون القرار وأهدافه.
  2. زيادة في كميات السلاح الصاروخي المجمع في مخازن حزب الله خلال هذه السنوات 10 مرات بحسب تقدير موثوق به للاستخبارات، وقد ارتفع من 15,000 صاروخ إلى قرابة 150,000 (الجزء الأكبر منه جرى تدميره، لكن ما زال الحزب يملك قدرات، قليلة هي الدول التي تملكها). كما أن محاولات التصدي القليلة من طرف القوة البحرية لليونيفيل لمنع تهريب السلاح في الآونة الأخيرة، ومن أجل إظهار فاعلية إزاء علامات السؤال المطروحة على عملها، تؤكد فقط ما كان يمكن تحقيقه خلال سنوات من عدم فعل شيء.
  • ويجب أن نضيف إلى ذلك الشهادات الأولى من التحقيقات التي جرت مع عناصر حزب الله الذين اعتُقلوا في الجنوب، والتي أظهرت أن عناصر اليونيفيل لم يقوموا فقط بغض النظر، بل أيضاً ساعدوا بصورة مباشرة نشاطات عناصر الحزب خوفاً على سلامتهم (بعد حوادث معينة من التهديد ومقتل جندي من القوة الإيرلندية) ولاعتبارات أُخرى. لم تفعل القوة شيئاً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 لمنع استمرار إطلاق حزب الله النار على أهداف في إسرائيل.
  • هذا وأكد الرد العنيف للأمين العام للأمم المتحدة وأطراف أوروبية أُخرى على طلب إسرائيل انسحاب اليونيفيل من مناطق القتال إلى أي حد منقطع هو موقف القيادة في الأمم المتحدة وفي دول الغرب بشأن هدف القوة ومهمتها عن الواقع في الميدان. وقد كان هذا السلوك إشكالياً قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، وظهر أنه لا فائدة منه، وأن العملية العسكرية البرّية أظهرت فشل القوة في مهمتها، كما أظهرت الدرس الذي يجب أن يستخلصه صناع القرار في إسرائيل.

القوات الدولية دعامة من القصب الهش

  • ويطرح فشل قوة كبيرة مسلحة بصورة جيدة ولديها صلاحيات واسعة النطاق علامات سؤال أساسية تتعلق بالدور المستقبلي لقوات حفظ السلام للأمم المتحدة، والتي تقوم بمهمتها على حدود إسرائيل منذ اتفاقات الهدنة سنة 1949. وافتراض أن وجود قوات دولية يمكن أن يساهم في المحافظة على أمن إسرائيل جرى التخلي عنه مرات ومرات، سواء عندما طلبت مصر سنة 1967 مغادرة هذه القوات لسيناء، أو عندما تبخر وجود قوات الأندوف عندما تدهور الوضع الأمني في الجولان على الجانب السوري من الحدود بعد الحرب الأهلية في سورية.
  • وإن عجْز اليونيفيل وصناع القرار ناجم عن أن مصدر صلاحيات هذه القوات هو منظمة دولية لدى أعضائها اعتبارات سياسية حاسمة، ولديها مواقف عدائية إزاء إسرائيل في الأساس. إن مواقف روسيا والصين اللتين تملكان حق الفيتو في مجلس الأمن ضد إسرائيل في حربها توضح لِما لا توجد فائدة، بالنسبة إلى إسرائيل، من ترتيبات أمنية تحظى بموافقة رسمية من مجلس الأمن.
  • من هنا ثمة حاجة إلى إعادة فحص هذا المكون في خطوات تسوية مستقبلية، سواء في لبنان، أو في المجالات الفلسطينية، ولا بديل لقدرة العمل المباشرة للجيش الإسرائيلي في الساحات ذات الأهمية الاستراتيجية، كوادي الأردن وغزة والشمال. بالإضافة إلى ذلك، فإذا كان المطلوب قوة خارجية مساعدة، فإنه يجب الاعتماد على سلطة متعددة الأطراف، وليس قوة دولية كالأمم المتحدة، حيث تملك إسرائيل ثقلاً مهماً كقوة المراقبين الدولية في سيناء وقدرة على الرقابة والتأثير في سلوكها.

 

 

المزيد ضمن العدد