أحداث الأيام الماضية يمكن أن تمنح نتنياهو مبررات لوقف الصفقة
تاريخ المقال
المصدر
هآرتس
من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".
·
- على الرغم من أن الأيام الماضية انتهت بتصحيح الخطأ، بعودة جثة شيري بيباس وتحرير المخطوفين الستة، وما رافق ذلك من شعور بالسعادة الكبيرة، فإن هذه الأيام يمكن أن تُذكر على أنها الأيام المصيرية في تاريخ هذه الحرب، بل في تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني برمته.
- هناك طوفان من الأخبار السيئة (نتائج التحقيق التي تشير إلى أن طفلَي عائلة بيباس، كفير وأرئيل، قُتلا على يد آسريهما؛ إعادة جثة الأم؛ العبوات التي انفجرت في حافلات فارغة في منطقة تل أبيب الكبرى) أشعل الرأي العام الإسرائيلي. هناك شعور عام بالرغبة في الانتقام، لم نرَ مثيلاً له منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر. هذه الأجواء تصل أيضاً إلى الاستوديوهات، وتتضمن مطالبات بتجديد الحرب، ونكبة ثانية، وبدمار شامل لقطاع غزة. ومن هناك، تتدحرج هذه الأصوات إلى أماكن أُخرى، أكثر أهميةً، تبدأ من الحكومة وتصل إلى الشارع.
- وبعكس اتهامات رئيس الحكومة، أشك فيما إذا كانت "حماس" تنوي، مسبقاً، إعادة جثة فلسطينية، بدلاً من جثة شيري بيباس. إن المصلحة العليا للحركة الآن، هي في استكمال المرحلة الأولى من الصفقة، وتتضمن تحرير 47 من الذين تحرَّروا في صفقة شاليط في سنة 2011، ثم أُعيد اعتقالهم مرة أُخرى. أيضاً، أدّت قضية الجثة إلى غضب كبير في إسرائيل، وهذا الغضب هو ما أجّل التطبيق، حسبما هو مخطط. إن أفراد عائلة بيباس الثلاثة خُطفوا على يد عشيرة من منطقة خان يونس، تنكرت تحت اسم عملياتي، وهو "المجاهدون". العلاقة بين "حماس" وهذه الجماعة لم تكن هرمية ومُلزمة، ويمكن أن تكون فضيحة الجثة نتيجة الفوضى، أو تمويهاً مقصوداً من التنظيم الخاطف. وبعد الكشف عنها، سارعت "حماس" إلى إعادة جثة الأم في اليوم التالي.
- هذا كله، طبعاً، لا يبرّئ "حماس" من المسؤولية عن الحدث المخيف برمته، فالحركة هي التي اجتاحت مستوطنات غلاف غزة وإن لم يكن هذا كافياً، فإن أحداث يوم الخميس انتهت بمحاولة طموحة لتفجير 5 حافلات بركابها في بات يام وحولون. وبفضل خلل لم يتضح حتى الآن، انفجرت الحافلات في ساعات المساء، وهي فارغة. هذه القضية أعادت إلى الأذهان ذكرى الصدمة الجماعية من أيام "إرهاب الانتحاريين" في الانتفاضة الثانية، وعززت المطالبات بتجديد الحرب والانتقام.
- العملية التي كان يمكن أن تنتهي بمزيد من القتل الجماعي هي فشل كبير لـ"الشاباك" وأذرع الأمن الأُخرى (قائد منطقة تل أبيب في الشرطة، الذي يبدو كأنه أدرك المزاج العام لدى القيادة بشكل جيد، حاول تحميل الشاباك وحده المسؤولية). بعد ساعات قليلة على التحقيق، تم اعتقال مواطنَين إسرائيليَّين، من اليهود، بشبهة أنهما نقلا واضعي العبوات من الضفة الغربية إلى داخل مناطق الخط الأخضر. هذه هي إحدى ميزات الفترة الحالية، عندما تُكشف، المرة تلو الأُخرى، شبكات تجسُّس تفعّلها إيران. اليوم، يوجد في إسرائيل مواطنون يهود لا يترددون في مساعدة العدو خلال الحرب، ويتجاهلون أن أفعالهم يمكن أن تضع حياة الآخرين في خطر.
- ذهب نتنياهو إلى طولكرم ووقف خارج مخيم اللاجئين، وصوّر فيديو تفاخر فيه، قائلاً "إننا ندمر شوارع كاملة يستعملها ’الإرهابيون’"، وأعلن أن الجيش عزّز قواته في الضفة، وهدد بتوسيع العمليات هناك. لاحظ رئيس الحكومة مشاعر الخوف والرغبة في الانتقام داخل المجتمع الإسرائيلي، وردّ بشكل مناسب، بهدف استغلال هذه المشاعر إلى أقصى حد ممكن لمصلحة بقائه السياسي. لم يرَ أنه من الضروري زيارة سكان غلاف غزة الغارقين في مشاعر العزاء.
- يتطابق التوتر المتصاعد في شمال الضفة مع التخوفات والقلق بسبب ما تقوم به "حماس" في القطاع. لم يتبقّ إلّا دفعة واحدة من المرحلة (أ)، وفي إطارها، من المتوقع أن تتم إعادة 4 جثث لمخطوفين إسرائيليين في مقابل تحرير مئات الأسرى الفلسطينيين. ومع انتهائها، سيبقي في الأسر 59 مخطوفاً، ما زال أقلّ من نصفهم أحياء. ليس سراً أن يبحث نتنياهو عن طرق التفافية، مثل تمديد المرحلة (أ)، بهدف تأجيل الصعوبة السياسية المنوطة بتحرير المئات من الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب قوات الجيش بشكل كامل من القطاع، وإنهاء الحرب. وسيكون من الجيد أن نذكر أنه من المفترض انسحاب الجيش من محور فيلادلفيا على الحدود بين مصر والقطاع في مطلع شهر آذار/مارس. أمّا قوات الاحتياط الموجودة هناك، فحصلت على أوامر بالإسراع في إغلاق فتحات الأنفاق الأخيرة، قبل الإخلاء المتوقع.
- إذا أراد نتنياهو، فإن خروقات "حماس" والمحاولة الطموحة بشأن العودة إلى العمليات في الحافلات، ستقدم مبررات مريحة لوقف تطبيق الصفقة. حالياً، لا يزال الجيش يخطط لإمكان اجتياح القطاع من جديد، ورئيس هيئة الأركان الجديد، إيال زمير، الذي سيتولى المنصب بعد 10 أيام، يقوم بتحضير خطة توصف بأنها هجومية بشكل خاص. الآن، نتنياهو يريد تصعيد الخلاف والأزمة عبر القرار الذي اتخذه في ساعات المساء، بعد استشارات مع عدد من الوزراء، وبحسبه، أجّل تحرير 602 من الأسرى الفلسطينيين الذين كان يجب تحريرهم يوم أمس في إطار الصفقة.
- هذا أيضاً يطرح أسئلة أُخرى عن قدرة القيادة الأمنية على طرح رأي مستقل والتعامل مع ضغوط نتنياهو. في الأساس، تُطرح الأسئلة عن قدرة سلاح البر، المستنزف والمتعب، على الدخول في خطوة برية إضافية مستمرة في القطاع. إذا تضمنت هذه الخطوة تأجيل المرحلة (ب)- فمعنى ذلك: التخلي عن المخطوفين للموت المؤكد تقريباً- وهو ما يمكن أن يؤدي إلى معارضة جماهيرية.
- رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، ينظر إلى هذه التطورات من بعيد، ولا يزال يلقي كل يوم تصريحات بشأن الوضع في غزة، يبدو أن لا أحد يفهمها سواه. خطوات ترامب في جبهات أُخرى تبدو واضحة أكثر، ومقلقة أكثر أيضاً. فخلال نهاية الأسبوع، أقال رئيس هيئة الأركان الأميركي تشارلز براون، واستبدله بضابط لا يملك أيّ خبرة ملائمة، في إطار مسار واسع من التطهير الذي يجريه ترامب في القيادة العسكرية الأميركية. لكن المقلق أكثر هو خيانته لأوكرانيا، إذ يسعى ترامب لتركها وحيدة تقريباً في مواجهة الضربات الروسية المتواصلة. الإسرائيليون الذين يعتقدون أن هذا لا يتعلق بنا، وأن دعم رئيس الولايات المتحدة مضمون دائماً، يمكن أن يكتشفوا في المستقبل أن هناك خيبة أمل في انتظارهم.