إسرائيل لا تستعد لليوم التالي حتى في الضفة الغربية، والمخطوفون أصبحوا رهائن لصراعات القوى السياسية
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • الفهم الصادم أن مصير المخطوفين أصبح مسألة ثانوية، إن لم تكن هامشية، وأن القضية التي نجحت بجهد هائل في الصعود إلى قمة "أهداف الحرب" بدأت فعلاً في الانحدار، ليس مجرد شعور يستند إلى مقياس الشعبية في وسائل الإعلام. فالهدف الذي كان من المفترض تحقيقه "بأي ثمن" يتجه نحو تعريف سياسي جديد؛ عدم إطلاق سراح المخطوفين، أي موتهم، سيكون "ثمناً عملياً" في مقابل القضاء على "حماس"، فعندما يشترط بنيامين نتنياهو استمرار المفاوضات وقبول عرض "حماس" بأن تقوم الحركة بنزع سلاحها وتغادر قيادتها القطاع، فإنه يطرح تصوراً زائفاً ومشوهاً تحت غطاء عرض يبدو عقلانياً، لا علاقة له فعلياً بإطلاق سراح المخطوفين.
  • وعندما يطالب نتنياهو بنزع السلاح، فإنه لا يقترح في الوقت نفسه وقف الحرب، وهي خطوة ربما تؤدي إلى إطلاق سراح المخطوفين دفعة واحدة وفي وقت قريب، بل أيضاً إنه يضع إنذاراً نهائياً يُفترض به أن يخدم الهدف الثاني، وهو إسقاط "حماس"، والذي يقدّمه الآن، بلا أي أساس، كوسيلة وحيدة من شأنها أن تؤدي إلى إطلاق سراح المخطوفين، وذلك بعد أن قام بنفسه بخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعه في يناير من طرف واحد، وهو الاتفاق الذي وافق فيه على انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وعملياً وقف الحرب، وتعهد بإجراء مفاوضات بشأن المرحلة الثانية، والتي يُفترض بها أن تتناول إعادة إعمار القطاع وإدارته من جانب قوة فلسطينية أو فلسطينية - عربية.
  • يعلم نتنياهو أن عرضاً كهذا قد نوقش فعلاً عدة مرات بين "حماس" ومصر وقطر، وفي السابق، طُرح أيضاً في المحادثات التي أجراها الأميركيون مع السعودية والإمارات العربية المتحدة. وكان رد الحركة الأخير، كما أوضحه يوم السبت خليل الحية، المسؤول عن "حماس" في غزة، والذي يدير المفاوضات باسم الحركة، هو: "سلاح المقاومة هو خط أحمر، ويرتبط بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ما دام هناك احتلال، فسيبقى السلاح من أجل الشعب الفلسطيني ومن أجل الدولة لحماية قدراته وحقوقه."
  • والنتيجة هي أن منظومة الوساطة، التي تديرها مصر وقطر بالتعاون مع الولايات المتحدة، تُضطر إلى التعامل ليس فقط مع تفاصيل المخطوفين الذين سيتم إطلاق سراحهم، ومواعيد تنفيذ الصفقة، والضمانات لتنفيذ الالتزامات الفنية والتكتيكية، بل أيضاً مع قضايا محيطة هي غارقة فيها، كالخطط لإدارة غزة، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الصفقة.
  • وكلما اتسعت قائمة البنود التي تُعرض كشرط لإتمام صفقة المخطوفين، ازدادت أيضاً حدة الخلافات، ليس فقط بين إسرائيل و"حماس"، بل أيضاً بين الوسطاء أنفسهم؛ فمصر، التي صاغت الاقتراح الخاص بإنشاء لجنة لإدارة القطاع خلال وقف إطلاق النار وما بعده، حظيت فعلاً بدعم واسع من دول جامعة الدول العربية ودول "المنتدى المصغر"، الذي يضم بين أعضائه السعودية والإمارات وقطر، غير أن الاقتراح يفتقر إلى عنصر جوهري يتعلق بالقوة العسكرية التي ستعمل في القطاع لضمان تنفيذ الخطة. وخلال الاجتماع الذي عُقد في شباط/فبراير بين خليل الحية ورئيس الاستخبارات المصرية، حسن رشاد، طرح رشاد مسألة نزع السلاح، واقترح أن يتم تخزين السلاح الثقيل لـ "حماس"، بما في ذلك الصواريخ والقذائف، تحت إشراف مصري وأوروبي، ورفض الحية هذا الطرح بصورة قاطعة.
  • يعتقد متحدثون مصريون أن "القضاء على ’حماس‘ ليس هدفاً واقعياً، لكن يجب السعي لتقليص نفوذها وحضورها ضمن الإطار الإداري الجديد الذي سيُقام." وقال محلل مصري مقرّب مما يجري في القصر الرئاسي لصحيفة "هآرتس" مؤخراً إن "الرئيس السيسي يدرك جيداً أن ’حماس‘ لا يمكن أن تشارك في إدارة القطاع، لكنه غير مقتنع بإمكان نزع سلاح الحركة. وكما يظهر من التجربة المصرية، فإنه من الممكن إبعاد الإخوان المسلمين عن الساحة السياسية، والسيطرة على مصادر تمويلهم داخل مصر، واعتقال وقتل نشطائهم، لكن مصر ما زالت تخوض ضدهم حرباً ضروساً بدأت قبل نحو 12 عاماً، ولم تُرَ نهايتها بعد. الحرب ضد ’الإرهاب‘ لا تنتهي بين ليلة وضحاها، ولا حتى في غضون سنة. ومن وجهة نظر السيسي، فإن إقامة منظومة إدارة مدنية لا تكون ’حماس‘ شريكاً فيها هي أمر ضروري، ليس فقط لأسباب إنسانية وسياسية، بل أيضاً لبناء بنية تحتية مدنية بديلة لـ ’حماس‘، بحيث تُجفّف مصادرها الجماهيرية والاقتصادية."
  • والسعودية وقطر لا تعارضان بشدة الرؤية المصرية، فكلتاهما تدعمان نزع سلاح "حماس"، لكن في رأيهما، فإنه لا مفر من منح الحركة موطئ قدم مدني وسياسي معين، ولو من وراء الكواليس، في إدارة القطاع. وفي مطلع آذار/مارس، نشرت "وول ستريت جورنال" تقريراً زعم أن قطر أفشلت دعوة محمود عباس إلى قمة مصغرة عُقدت في شباط/فبراير في الرياض، بذريعة أن "حماس" يجب أن تكون ممثلة أيضاً في الحدث، وقد نفت قطر بصورة قاطعة هذا التقرير، واصفةً إياه بـ "غير المسؤول، والذي لا أساس له من الصحة"، بحسب ما ورد في بيان وزارة الإعلام القطرية.

مسألة الخلافة

  • على الرغم من ذلك، فإن مسألة مستقبل مكانة "حماس" في القطاع لا تزال مطروحة على الطاولة. "’حماس‘ ليست مجرد حركة مقاومة وتنظيم ’إرهابي‘، بل أيضاً هي حركة لديها دعم شعبي في القطاع والضفة، وهناك شخصيات فلسطينية داخل منظمة التحرير وحركة ’فتح‘ يعتقدون، حتى بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر والدمار الهائل الذي تسببت به ’حماس‘ في القطاع، أنه لا مفر من إعادة تنظيم التمثيل الفلسطيني بطريقة تشارك فيها ’حماس‘، وربما تحت اسم مختلف"، وقال مسؤول سابق في الحكومة الفلسطينية لصحيفة "هآرتس" أنه "من الجدير بالذكر أيضاً أن نتذكر أن الرئيس السيسي نفسه بذل جهوداً كبيرة على مدى سنوات لتحقيق المصالحة بين ’فتح‘ و’حماس‘، ليس حباً في ’حماس‘، لكن لأنه يفهم تعقيد البنية السياسية الفلسطينية."
  • والاستثناء الوحيد في هذا السياق هو الإمارات العربية المتحدة، التي تطالب بصورة ثابتة وصارمة بنزع سلاح "حماس"، وإبعاد قيادتها، وقد جعلت ذلك شرطاً لموافقتها المستقبلية على المشاركة في تمويل إعادة إعمار القطاع.
  • وحتى 4 شباط/فبرير - التاريخ الذي نشر فيه دونالد ترامب خطته الطموحة لطرد سكان غزة والسيطرة على القطاع لتحويله إلى "لاس فيغاس الشرق الأوسط" - كانت الخطط العربية لـ "اليوم التالي" تُعد بمنزلة "اقتراحات معمارية" تمهيداً لمناقشات المرحلة الثانية من صفقة الأسرى. ومنذ ذلك الحين، اكتسبت هذه الخطط أهمية وإلحاحاً استراتيجياً، نظراً إلى التهديد الممكن الكامن في حلم ترامب على استقرار الدول العربية، وخصوصاً مصر والأردن.
  • وعلى الرغم من أن ترامب تراجع لاحقاً عن فكرة الترانسفير القسري، فإن حالة القلق لم تتبدد، وخصوصاً في ظل تجدد الحرب في غزة وطابعها الوحشي، وإنشاء "مديرية الهجرة الطوعية" في إسرائيل، وتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي هدد بالسيطرة على مزيد من الأراضي في القطاع، إلى جانب الخشية من أن تقوم إسرائيل بفتح الحدود مع مصر من جانب واحد، وتسمح لمئات الآلاف من سكان غزة بعبور الحدود إلى سيناء.
  • تحوّلت الخطة المصرية لإدارة غزة، التي كانت في بدايتها تهدف إلى تقديم حل للترتيبات الخاصة بالمرحلة الثانية من صفقة الأسرى، منذ ذلك الحين إلى شكل من أشكال "حرب الدفاع الاستراتيجية"، والتي يجب أن تواجه خطة ترامب، وخصوصاً منع تبنّيها وتنفيذها من جانب إسرائيل، في وقت أصبح فيه الأسرى ورقة في لعبة سياسية أوسع.
  • وقد انضمت "حماس" إلى هذا الصراع، وأعلنت، تحت ضغط مصري وقطري، أنها لا تسعى لإدارة القطاع، ودعمت المبادرة المصرية لتشكيل مجلس إداري لن تكون جزءاً منه، وقد عبّر خليل الحية عن هذه المواقف أيضاً في محادثاته غير الاعتيادية مع مبعوث ترامب، آدم بوهلر.
  • إلاّ إن "مساهمة" "حماس" هذه لا تكفي، إذ إن مصر وشريكاتها العربيات لا يملكن حتى الآن بديلاً فلسطينياً واقعياً يكون مقبولاً، ليس فقط لدى إسرائيل، بل أيضاً لدى القيادة الفلسطينية نفسها، المنشغلة في صراعات قوى سياسية داخلية.
  • في منظمة التحرير الفلسطينية، تدور منذ أشهر طويلة نقاشات حادة بشأن مسألة الخلافة، وهي تزداد حدّة كلما اقترب محمود عباس من بلوغ سن التسعين. وقبل نحو شهر، في قمة عُقدت في القاهرة، أحدث عباس دراما كبيرة عندما أعلن نيته تعيين نائب له ومنح جميع الشخصيات التي أُقصيت من صفوف منظمة التحرير بأمر منه الـ "عفو"، والمقصود هنا أساساً محمد دحلان، الذي تم طرده سنة 2011، وناصر القدوة، الذي استقال بعد أن أعلن نيته الترشح ضمن قائمة منفصلة في الانتخابات التشريعية التي كان من المفترض أن تُعقد في أيار/مايو 2021 وتم إلغاؤها بمبادرة من عباس عندما أدرك أن قائمته يمكن أن تتعرض لهزيمة قاسية.
  • وبالتزامن مع ذلك، أجرى عباس في الأسابيع الأخيرة تغييرات في أجهزة الاستخبارات، وعيّن قادة جدداً للأمن الوطني والاستخبارات العامة. وقد أفادت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، المقربة من حزب الله، هذا الأسبوع بأن عباس ينوي أيضاً استبدال ماجد فرج، رئيس جهاز الاستخبارات، الذي أقام علاقات وثيقة مع جهات استخباراتية إسرائيلية وأميركية، والذي طُرح اسمه بين الحين والآخر كخليفة ممكنة لعباس.
  • إن عباس يقدّم هذه التغييرات كجزء من خطة الإصلاح في السلطة الفلسطينية، وهي الخطة التي طالبت بها الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، كشرط لموافقتهم على أن تتولى السلطة إدارة قطاع غزة. لكن يبدو أن التعيينات الجديدة تأتي من دوائر مقربة من عباس، وهدفها في الواقع هو تعزيز قبضته على السلطة، وليس الدفع نحو مسار يجدد بنية السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية.
  • ومن جانبها، تنظر إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية عموماً كجهات معادية، وتعمل على تفكيكهما. والأهم من ذلك، أنها لا تنظر إلى الصراعات السياسية في الساحة الفلسطينية على أنها مسألة تتطلب اهتماماً أو معالجة، ويبدو أن "اليوم التالي لعباس" لا يندرج على جدول الأعمال الإسرائيلي مطلقاً، على الرغم من الفوضى الممكنة التي يمكن أن تنجم عنه.
  • وقال مصدر عسكري إسرائيلي يتعامل مع العلاقة بين إسرائيل والسلطة لصحيفة "هآرتس": "في الوقت الذي ننشغل فيه بكبح اليوم التالي في غزة، بتحييد ’حماس‘ وتأجيل نقل السيطرة المدنية على القطاع، أو بالتخطيط للسيطرة المدنية على غزة، فإنه لا تُجرى تقريباً أي نقاشات بشأن اليوم التالي لعباس. لا توجد سياسة، وبالتالي لا يوجد تخطيط. يقولون لنا: ’عندما نصل إلى الجسر، سنعبره‘، لكن تحت هذا الجسر، تم فعلاً زرع ’عبوات ناسفة‘."