السيطرة على معبر رفح يجعل إسرائيل قوة احتلال في غزة بكل معنى الكلمة
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • "تصعيد خطِر"، هكذا وصفت الخارجية المصرية دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح والسيطرة على المعبر الحدودي للمدينة. وأضافت الخارجية المصرية أن الخطوة "تهدد مساعي وقف إطلاق النار، وتعرّض للخطر حياة مليون فلسطيني يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي تمرّ بالمعبر، والطريق الآمنة لخروج الجرحى والمرضى الذين هم بحاجة ماسة إلى العلاج".
  • صحيح أن مصر بُلِّغت مسبقاً بنية إسرائيل الدخول إلى رفح، لكن وراء الرد الدبلوماسي المنضبط يكمن غضب وقلق كبيران، وأكثر من ذلك. وتتخوف القاهرة من أن هذه الخطوة لن تؤدي فقط إلى عرقلة المفاوضات بشأن تحرير المخطوفين، بل أيضاً أن إسرائيل تنوي توسيع العملية في رفح ودفع مئات الآلاف من الغزّيين إلى اجتياز الحدود المصرية.
  • أمس، حذّر الوزير السابق للتعليم العالي ورئيس جامعة القاهرة سابقاً د. مفيد شهاب، في مقابلة أُجريَت معه، من أن الجيش المصري لم يردّ على العملية الإسرائيلية لأنها لم تجرِ "على أراضٍ مصرية، لكن إذا هاجمت إسرائيل الأراضي المصرية، فإن القاهرة لن تسمح بذلك، وستدخل في مواجهة عسكرية مع إسرائيل". صحيح أن إسرائيل لا تنوي اجتياز الحدود، لكن خط التماس القريب بين القوات يزيد في خطر حدوث احتكاك عسكري غير مقصود، يمكن أن يجرّ إلى تصعيد.
  • في هذه الأثناء، تبحث مصر في الدلالات القانونية لدخول قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي إلى منطقة يجب أن تكون منزوعة السلاح، بحسب اتفاق كامب ديفيد. حتى الآن، امتنعت مصر من إجراء نقاش دبلوماسي علني في قضية خرق اتفاقات كامب ديفيد، لأن مثل هذه الخطوة يمكن أن يجهض المفاوضات التي تؤدي فيها مصر دور الوسيط الأساسي، بعد أن تحولت قطر إلى العمل من وراء الكواليس. في السنوات الأخيرة الماضية، حصلت مصر على موافقة إسرائيل على إدخال قوات عسكرية كبيرة مزودة بسلاح دقيق إلى سيناء، في إطار حربها ضد التنظيمات "الإرهابية" الإسلامية، كما استخدمت سلاحها الجوي...
  • وفي الواقع، إن السيطرة الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح يُضعف أداة الضغط الأساسية التي كانت لدى مصر على "حماس". قبل الحرب، كان المعبر يُستخدم لمرور البضائع والأشخاص، وهو ما منح "حماس" وسيلة لكي تسيطر سيطرة كبيرة على حياة سكان غزة، فضلاً عن كون المعبر مصدر دخل، بفضل "الرسوم" التي كانت تجبيها الحركة لقاء كل تصريح خروج، أو دخول. وكان تهديد مصر بإغلاق المعبر، أو إغلاقه فعلاً، له تأثير كبير في سلوك "حماس" حيال إسرائيل.
  • التنسيق بين مصر و"حماس" أثمر أرباحاً صافية أيضاً للمراجع الاستخباراتية المصرية التي تسيطر على الجانب المصري من المعبر. واضطر السكان، الذين كانون يطلبون السماح لهم بالدخول إلى مصر، إلى دفع مبالغ كبيرة، ما بين 5 و10 آلاف دولار "رسوم عبور" إلى جهات مصرية، وخصوصاً شركة "هلا" المصرية التي يملكها إبراهيم العرجاني، المقرب من الرئاسة المصرية، والذي حصل على رخصة لتشغيل نقل السكان من غزة إلى مصر وإدخال شاحنات لنقل البضائع إلى القطاع.
  • منذ بدء الحرب، رفعت الشركة الرسوم التي تطلبها لقاء خدماتها بصورة كبيرة، وبحسب تقرير نشره "ميدل إيست آي"، وهو موقع بريطاني يهتم بالشرق الأوسط، جنَت الشركة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة نحو 120 مليون دولار في مقابل خدماتها. ليس من الواضح كيف ستكون إجراءات عبور المساعدات، عبر معبر رفح، بدءاً من الآن، ومَن الذي سيُشرف على عملية خروج الجرحى والمرضى إلى مصر.
  • بعد سيطرة إسرائيل على المعبر، لم يعد يشكل أداة ضغط مصرية مهمة على "حماس"، لكن هذه الخطوة تجعل إسرائيل مسؤولة مباشرة عن جزء من حياة المواطنين في القطاع على الأقل. قال الناطق بلسان مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي، يوم الجمعة، إن "العملية (في رفح) ذات طابع محدود، من حيث الحجم والزمن، وهدفها منع "حماس" من نقل السلاح عبر الحدود مع رفح". لكن هناك فجوة تكتيكية تفصل بين تصريح كيربي وبين أهداف إسرائيل. لا تستطيع إسرائيل السيطرة على معبر رفح كجيب منفصل، ومن دون السيطرة على الجزء الشرقي من محور فيلادلفي، إلّا إذا عثرت على بديل، والاتفاق على جهة تدير المعبر.
  • لا تستطيع إسرائيل الاعتماد على مصر "كحارسة للحدود"، وهي تعتبر السيطرة على محور فيلادلفي خطوة ضرورية لمنع تهريب السلاح إلى "حماس". لكن منذ بدء الحرب، لم يعد معبر رفح يشكل جزءاً من هذا التهديد، لأن كل شاحنة تعبر المعبر تخضع لعملية تفتيش دقيقة من طرف الجيش الإسرائيلي قبل دخولها إلى القطاع. وكانت مصر اقترحت، قبل بضعة أسابيع، السماح للسلطة الفلسطينية بإدارة الجانب الفلسطيني من معبر رفح، أو إعادة إحياء اتفاق المعابر العائد إلى سنة 2005، والذي ينص على قيام موظفين من غزة ومراقبين أجانب بإدارة المعبر، ويكون لإسرائيل الحق في قبول، أو رفض دخول وخروج الأشخاص والبضائع.
  • لكن إسرائيل ترفض أيّ اقتراح يمنح السلطة الفلسطينية موطىء قدم في غزة، كما أن السلطة الفلسطينية نفسها اشترطت مشاركتها في غزة بعملية سياسية واسعة النطاق، تُتوَّج باعتراف بالدولة الفلسطينية.
  • هذا الأسبوع، تحدث ينيف كوفوفيتش [صحافي في "هآرتس"] عن اتفاق مصر وإسرائيل والولايات المتحدة على أنه في نهاية العمليات العسكرية، ستشرف على إدارة المعبر شركة خاصة مسلحة، أميركية على ما يبدو. وهذه الفكرة ليست جديدة، فالعديد من الشركات الأمنية الخاصة يعمل في قطاع غزة، وهي جزء من وسائل الحماية التي تستخدمها وكالات الإغاثة، والتي تدفع لها ثمناً باهظاً.
  • ويعمل مثل هذه الشركات الأمنية في عشرات الدول، وفي أغلبيتها، كمقاول لدى حكومات محلية، أو حكومات أجنبية، مثل الولايات المتحدة التي استخدمت مثل هذه الشركات في أفغانستان والعراق. والمشكلة هنا أنه فضلاً   عن التكلفة العالية لاستخدام هذه الشركات الأمنية الخاصة، ليس واضحاً مَن هي الجهة التي ستشغّل هذه الشركات رسمياً، إسرائيل، أو الولايات المتحدة؟
  • هذا القرار مهم لأنه سيحدد المسؤول رسمياً عن تشغيل معبر رفح، ومَن يصوغ سياسة العمل، وما لا يقل أهميةً، ماذا عن قواعد فتح النار عند وقوع هجوم لـ"حماس"، أو مواجهات مع السكان الغزّيين. ويبدو أنه إلى حين يتم التوصل إلى حلّ متفق عليه بشأن هوية المسؤول عن تشغيل المعبر، ستواصل إسرائيل توسيع مكانتها كدولة محتلة لغزة، مع كل الدلالات المترتبة على ذلك، بحسب القانون الدولي.