نحن في خضم حرب "السيوف الحديدية الثانية" التي لن تتمكن إسرائيل من تحقيق إنجازات كثيرة فيها
المصدر
قناة N12

موقع إخباري يومي يضم، إلى جانب الأخبار، تعليقات يكتبها عدد من المحللين من الشخصيات الأمنية السابقة، ومن المعلّقين المعروفين.

المؤلف
  • عشية ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي، التقيت أباً وأماً يخدم أبناؤهما الآن في لواء "ناحال" في غزة. فأخبراني أنهما تحدثا مع أبنائهما خلال اليوم الماضي، وسمعا من كلٍّ منهم أموراً مشابهة: "أبي، لقد عدنا إلى الحيّ الذي سبق أن قمنا باحتلاله خلال الحرب، وإلى العيادة نفسها التي "طهّرناها من المخربين" في المرة السابقة. لقد عادت "حماس" بقوة إلى الحيّ، وعاد "المخربون" إلى التموضع في العيادة نفسها". قال لي أب آخر إنه يشعر بأنه يشهد لعبة "الروليت الروسية"، وكيف أن العودة في المرة الثانية جعلته غير قادر على النوم في ليالٍ طويلة.
  • خلال يوم ذكرى القتلى الأصعب الذي مرّ عليّ في حياتي، التقيت أكثر من 12 عائلة ثكلى، بعضها لا يزال في أسبوع الحداد على ابنه القتيل.
  • خلال هذا الأسبوع، قُتل أربعة جنود من الوحدة نفسها التي قُتل أفرادها في حيّ الزيتون في الاشتباكات الأولى التي اندلعت هناك في بداية الحرب، كما أصيب جنود آخرون خلال الليلة الماضية بجروح خطِرة. إن مقاتلي لواءَي "ناحال"، و"غولاني"، والمظليين الشجعان، عادوا إلى المخاطرة بحياتهم في الموضع نفسه الذي يعود الجيش الإسرائيلي إليه للمرة الثالثة، وهي ليست المرة الأخيرة. من المهم جداً هنا أن أوضح: إن موت هؤلاء لم يذهب سدى! إنهم يعملون على الأرض، ويقتلون "إرهابيي حماس" في حرب محقة فُرضت علينا، وإن قتل كلّ "إرهابي من حماس" هو أمر مهم وعادل. أمّا السؤال المطروح في أطول الحروب التي خضناها في تاريخنا، هو: في أيّ نقطة يتعين علينا وضع حدّ للحرب، وكم مرة يجب علينا دفع الثمن والعودة إلى الموضع نفسه، ومع الأسف، في وقت تتراجع نجاعة العمل العسكري، بينما يرتفع الثمن ويصير أعلى، من دون وجود أيّ هدف محدد؟
  • الزيتون، وجباليا، وبيت حانون، والشجاعية، وخان يونس، هي مناطق احتلها الجيش الإسرائيلي في السابق، ونجح في تفكيك الكتائب العاملة فيها في الماضي، لكن في كل مكان ينسحب الجيش الإسرائيلي منه، ويبقى فيه عدد غير قليل من "المخربين" الذين يعودون إلى تنظيم صفوفهم، من دون وجود جهة تتولى مسؤولية القطاع المحتل، فإن "حماس" ستعود إلى السيطرة، وتستمر هناك، من دون أيّ منازع. إنها تقوم بإعادة بناء قوتها في كل مكان من جديد، كما تعيد تأهيل شبكاتها العسكرية، بحيث تتلاءم مع حرب العصابات، وتستعيد سيطرتها على مفاصل المجتمع المدني. هذا ما فعلته "حماس" في القرى والمدن والمخيمات التي انسحبنا منها.
  • بعد أن درست "حماس" أسلوب عمل الجيش الإسرائيلي، عملت على تحسين قدراتها القتالية، وحافظت على بقائها من خلال انتهاج أساليب حرب العصابات، والاستخدام المكثف للكمائن القتالية، والكمائن التي تُستخدم فيها مضادات الدروع، والقنص، والاستخدام المكثف للعبوات الناسفة. من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، وبما أن الأهداف أصبحت أصغر، فإن الكتائب والسرايا تتحول إلى خلايا وأفراد، وهكذا تصبح طريقة القتال التي يتبناها الجيش أكثر تركيزاً، بحيث تتحول إلى قتال من نقطة الصفر، مع استخدام أقل للكثافة النارية من الجو، وللتمشيط المدفعي الذي يصبح أقل تأثيراً من المرة الأولى للاحتلال. إن تكرار العمليات القتالية المتجددة يحمل معه نتائج أقل أيضاً، فكلما سقط عدد أقل من القتلى لدى العدو، يزداد الخطر الذي يهدد قواتنا. لقد تحولت غزة إلى ساحة لبنان - 2: حقل كمائن كبير. والجيش يخوض الآن حرب "السيوف الحديدية" الثانية، ومن دون القدرة على نقل المسؤولية عن المناطق المحتلة إلى طرف ما، فإن حرب "السيوف الحديدية" الثالثة، لا بل الرابعة، تنتظرنا.
  • في الحقيقة، الحسم ممكن سياسياً، وليس عسكرياً. هذه هي الحال منذ أكثر من ثلاثة أشهر، والوقت ليس في مصلحتنا مطلقاً. إن تهرُّب رئيس الحكومة من الحسم بشأن "اليوم التالي للحرب"، وتمسُّكه بالنشاط العسكري، لا يعملان على تدمير إنجازاتنا العسكرية فحسب، بل يعمّقان، عملياً، تورُّط الجيش في غزة، ويمنعان من تركيز الجهد، والسعي لإنهاء القتال في لبنان، ويحوّلان الاهتمام الضروري عن إيران، ويعمّقان تدهور إسرائيل سياسياً. فمكانة إسرائيل الدولية تتهشم، ومكانتنا في الإقليم تتحول من دولة رائدة، إلى لاعب هامشي يعيق استقرار الإقليم. لا أحد يدرك ما الذي تريده إسرائيل، ولا أحد يرى أن إسرائيل قادرة على تحقيق "نصر مؤزر". بل العكس هو الصحيح: يرى الجميع أن "حماس"، "التنظيم الفوضوي"، لم تركع، وها هي تنهض من جديد. إن صورة مسيرة العودة التي نفّذها اليمين الإسرائيلي أمس، ومشهد المشاركين "ينبطحون" أرضاً في "سديروت" [نتيجة قصف المقاومة للمدينة]، بعد مرور سبعة أشهر على الحرب، بمثابة هدية كبرى قدمناها لحركة "حماس". والوضع الراهن يُلحق ضرراً جسيماً بصورة إسرائيل، وقدرتها على الردع.

المخاطرة في رفح، في مقابل الإنجاز الهامشي

  • لقد تحولت رفح، حتى قبل أن يتوغل الجيش الإسرائيلي فيها، إلى فخّ استراتيجي لن يُنتج سوى مزيد من التورط. وأزمة الثقة مع الولايات المتحدة في أوجها، ومصر تنضم إلى جنوب أفريقيا في دعواها ضد إسرائيل في محكمة لاهاي، ومن شبه المؤكد أنها ستخفّض مستوى علاقاتها الدبلوماسية بنا، كما أن الدول الأوروبية، ومعها الأمم المتحدة، تهدد بخفض مستوى العلاقات، بما يشمل المحكمة الجنائية الدولية التي ستقوم، عمّا قريب، بغرز أنيابها في لحم مسؤولي الجيش والحكومة كلهم.
  • لا يتعين على الجيش الإسرائيلي إثبات قدرته على هزيمة كتائب رفح، فالأمر معروف سلفاً، وقد حقق الجيش ذلك منذ سبعة أشهر. إن رفح التي تحولت بصورة أساسية إلى رمز لصراع سياسي داخلي في المجتمع الإسرائيلي، ليست سوى مسألة أثمان ومخاطر، مقارنةً بالإنجاز الهامشي المترتب على احتلالها. وبعد كل هذه الأثمان الباهظة التي من المتوقع أن نتكبدها، فإننا سنعيدها إلى سيطرة "حماس". إنه أمر سخيف وغير محتمل. هذا ما قاله وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن هذا الأسبوع: "إن إسرائيل تدخل، وتُحدث فوضى، وتنسحب، فتعود "حماس".
  • إن الوضع الحالي المتمثل في عدم سيطرتنا على أيّ موضع، ومن دون أن يكون لدينا أيّ توجّه، أو جدول زمني ظاهر، هو خطِر، ويُضعف إسرائيل بشدة من الداخل والخارج. قتال في غزة من دون نهاية، والقتال في لبنان، المرتبط بغزة، يغرق في حرب استنزاف، والتهديد الإيراني يتصاعد في سورية، ويُشعل شمال الضفة تحت أقدام جنودنا بصورة غير مسبوقة.
  • بالنظر إلى كل ما سبق، وبالنظر إلى جميع التوصيات الصادرة عن منظومتنا الأمنية، وإلى توصيات وزراء المجلس الحربي، ونصائح أصدقائنا الأميركيين، وكل العالم تقريباً، يقف رئيس حكومتنا متحجراً، متقوقعاً في داخل ذاته، وغير قادر على اتخاذ القرار الوحيد المسؤول والمنطقي المطلوب هنا، بشأن "اليوم التالي للحرب"، علماً بأننا نعيش في "اليوم التالي" أصلاً منذ ثلاثة أشهر على الأقل. يمكن لهذا القرار إخراج إسرائيل من المأزق والفخ الاستراتيجي اللذين وقعت فيهما.
  • إن أيّ قرار، حتى لو كان فرض الاحتلال الإسرائيلي، هو قرار سيجعل الجيش الإسرائيلي قادراً على معرفة ما الذي يتعين عليه العمل على إنجازه، على الأقل. ومع ذلك، فإن قرار عدم الحسم كارثي، وبمثابة حُكم بالإعدام على المخطوفين، ويؤدي إلى انهيار داخلي، وإلى عزلة دولية تامة، إلى جانب قرار فوري صادر عن لاهاي. ما يجب فعله حقاً الآن، هو إدخال حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية لتولّي المسؤولية عن غزة. علينا العمل فوراً، قبل أن يندما على أخذ هذه الكارثة المسماة غزة وتخليصنا منها، علينا إنهاء الحرب، والسماح بإعادة المخطوفين، وإتاحة المجال للدولة لكي تتعافى من جروحها، وهذا ما تحتاج إليه إسرائيل الآن، وبشدة.
  • أمّا بشأن موضوع استعادة المخطوفين، فمن الواضح أن السنوار يعبث بأعصابنا، ولا يريد التوصل إلى اتفاق. إنه راضٍ عن تردّي حالة نتنياهو، وهو يعمل على جبهتين. إنه مستعد لاستنزاف الجيش الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، يراهن على انتصار سياسي. ولأنه راغب في الخروج منتصراً، فهو غير معنيّ بإعادة المخطوفين، وتقوية نتنياهو، أمّا عدم قدرة الأخير على الحسم، فيؤدي إلى تدهور الوضع، ويصبّ في مصلحة السنوار.
  • لا تملك إسرائيل سوى ورقة واحدة فقط، لكي تتمكن من استعادة المخطوفين، وهي إدخال السلطة الفلسطينية إلى القطاع. إن عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع هي أسوأ ما يمكن أن يحدث للسنوار. لأنه سيعتبرها هزيمة... هذه هي الحالة الوحيدة التي توفر شروطاً مؤاتية لصفقة. وسنستعيد المخطوفين المحتجزين من كل مكان تسيطر عليه السلطة.
  • يعلم نتنياهو هذا جيداً. إنه يعلم بأن هذه الفرصة هي الوحيدة لتحقيق النصر واستعادة أسرانا. أمّا قتل "مخرّب"، أو حتى ألف "مخرّب"، أو هدم مئة منزل إضافي في رفح، فهي أمور لن تؤدي إلى أيّ نصر. إن نتنياهو يمتنع من الحسم. لأن فوهة مسدس سموتريتش موجهة إلى صدغه الأيمن، سموتريتش الذي يهذي بضرورة استرجاع "غوش قطيف" بأيّ ثمن، وهو يشلّ نتنياهو. كما أن نتنياهو نفسه، ربما، غير معنيّ بإنهاء الحرب، لأسبابه الشخصية. وهو لا يبدو مكترثاً للأثمان المرتبطة بالأمر، وهذا ما يثير القلق بشدة.
  • إن رئيس الحكومة الذي لا يحضر احتفالات وطنية في يوم "الاستقلال"، ولا يزور العائلات الثكلى في ذكرى "قتلى الجيش"، وغير قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية مصيرية خلال الحرب، ثمة شك في قدرته على الاستمرار في إدارة الدولة في أزمتها الأكبر، تاريخياً. يجب أن نجد حلاً فورياً لهذه الحالة: فإمّا عزله بداعي العجز، وإمّا حلّ الكنيست فوراً، من أجل تشكيل مجلس حربي قادر على الحسم. هذه هي مهمتنا العاجلة التي لا مندوحة لنا عنها.

 

 

المزيد ضمن العدد