موت رئيسي يمكن أن يصعّب على أذرع إيران إدارة الحرب
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • كلما مرت الساعات، ازداد شعور قيادة النظام الإيراني بالخجل؛ فالطائرة التي طار بها الرئيس إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية، أمير عبد اللهيان، ومسؤولون إضافيون، ضاعت في شمال البلاد خلال عودة الوفد من حفل رسمي في أذربيجان، وقد واجهت جهود الإنقاذ صعوبات في منطقة جبلية وأوضاع جويّة شتوية، وكانت إمكانات إيجادهم على قيد الحياة ضئيلة جداً، واليوم صباحاً، أُعلن خبر وفاة جميع ركّاب الطائرة.
  • لقد شكّل النجاح الاستراتيجي الذي تحقّقه إيران والتنظيمات الموالية لها في الحرب الحالية حالة إحباط كبيرة في إسرائيل، وفي هذه الأوضاع، نميل إلى نسيان الوجه الحقيقي للنظام في طهران، ورجال الحرس الثوري المكروهين من جانب سكّانها، وهذا إلى جانب القمع العنيف للمُعارضة الداخلية، وتشجيع "الإرهاب" خارجياً، فضلاً عن وجود إسقاطات واضحة على إدارة النظام الروتينية.
  • ولدى الإيرانيين اليوم إنجازات علمية، وتكنولوجية، وعسكرية، لكن على الرغم من ذلك، فإن دولتهم لا تزال دولة ضعيفة، ومستوى البنى التحتية فيها ليس عالياً، ولديها سجل كبير من الحوادث الجوية، وذلك بسبب نظام العقوبات الذي تم تفعيله ضدها على مدار سنوات، وأرغمها على استعمال قِطَعِ غيار بالية لطائرات ومروحيات من صناعة الولايات المتحدة، تم شراؤها منذ فترة حكم الشاه. يمكن للحوادث الجوية أن تحدث في كُل مكان، وفي النظام الذي يقرّر فيه المسؤولون كل شيء، ولا توجد عملية حرة من أجل توضيح ما جرى واستخلاص العبر والبحث، ولا مجال للاعتراض على قرارات المسؤولين، فإن الحوادث تقع بوتيرة أعلى.
  • وبحسب الأنباء الأولية، فإن اختفاء المروحية جرى كما يبدو بسبب الاصطدام بصخرة جبلية خلال العاصفة، ويبدو هذا كحادث وقع بسبب خلل تقني أو خطأ بشري من طاقم الطائرة. وقد نفى الإعلام الغربي أي تدخّل إسرائيلي في الحادث، وهذا أيضاً ما صدر عن إسرائيل أمس، على الرغم من أنه لم يَصْدُر أي نفي رسمي. ومن الصعب تخيُّل أن تخاطر الحكومة، حتى في هذه الأوضاع المجنونة، بخطوة كهذه، لكن هذا لا يعني أن الإسرائيليين سيحزنون على رئيسي.
  • إن هذا الرجل مسؤول عن قرارات إعدام معارضي النظام بعد الثورة الإسلامية، وكان أيضاً صاحب نهج عدائي ومتطرّف بقيادة المرشد الأعلى، علي خامنئي والحرس الثوري الإيراني، ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وقد كلّف دعم إيران لـ"حماس" والجهاد الإسلامي وحزب الله حياة آلاف الإسرائيليين، وأحياناً اليهود في الخارج. ولدى إيران علاقة بكُل ما حدث هنا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، حتى ولو نفذت قيادة "حماس" الهجوم من دون تنسيق مسبق بشأن التاريخ.

 

وتيرة مختلفة

  • إن اختفاء المروحية جاء في وقت يشعر فيه النظام الإيراني بأنه متفوّق. واستراتيجيا "حلقة النار"، التي صاغها الجنرال قاسم سليماني، وهي في أساسها إحاطة إسرائيل بمليشيات مسلّحة بعشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف، قد بدأت تؤتي ثمارها بعد 4 أعوام من اغتيال أميركا لسليماني. وإن مستوى التنسيق بين التنظيمات في الساحات المتعددة يتطور بتشجيع إيراني. صحيح أن إسرائيل لم تُهزم، لكنها تلقّت ضربة قاسية في 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومنذ ذلك الوقت، لم تنهض فعلاً، ولا تزال عالقة في مصيدة استراتيجية في عدة جبهات. هذا بالإضافة إلى أن اتفاق التطبيع السعودي- الإسرائيلي الذي تخوّفت منه طهران تجمّد. أمّا الإدارة الأميركية، فتدير سياستها بحذر كبير إزاء إيران، وذلك تخوفاً من أن يحاول النظام تجديد خطة السلاح الخاصة به في إطار المشروع النووي، إلى جانب أن خطوات تخصيب يورانيوم آخذة في التطوّر.
  • إن موت رئيسي في هذا التوقيت سيكون ضربة قاسية للنظام... فقد كان رئيسي، بحسب الأنباء التي نُشرت مؤخراً في الصحافة البريطانية والأميركية، أحد أكثر المرشحين حظاً لخلافة الخامنئي، ابن الـ 85 عاماً. أمّا المرشح الثاني، فهو ابن القائد الأعلى الروحي، سيد مجتبى الحسيني خامنئي. وقد كتب كريم سجافور، الباحث في مركز كارنغي في واشنطن، وأحد أفضل الباحثين المختصين بإيران، أمس بعد فقدان الاتصال بالطائرة، أن موت رئيسي سيثير أزمة خلافة في الدولة، وبحسبه، فإنه، وفي المزاج العام الإيراني المؤمن بالمؤامرات، سيكون هناك كثير ممن سيشكّون في أنه تمت إزاحة رئيسي عن عمد من أجل ترْك مجال لابن خامنئي، وهو ما سيؤدي إلى إلحاق الضرر بشرعية الوريث، ويعزّز من تعلّق خامنئي الابن بالحرس الثوري على أمل منْع تظاهرات عنيفة في الدولة. ويتخوف سجافور من أن يؤدي هذا بالنظام إلى الانتقال إلى حكم عسكري بالكامل، أو حتّى انهيار النظام.
  • هذه ليست أخبار سيئة بالنسبة إلى إسرائيل، لكن الأمور ستتحرك في إيران كما يبدو بصورة مختلفة عن التطورات حولنا؛ ففي السيناريو الإيجابي، ستتميز المرحلة الأولى بأن النظام سيكون منشغلاً أكثر بشؤونه الداخلية، ويمكن أن يفعّل ضغوطاً أقل على حزب الله من أجل المحافظة على الجبهة الشمالية فعّالة ضد الجيش، لكن إذا كان هناك من يأمل أن يؤدي حادث غامض في شمال إيران إلى وقف الحرب القريبة منا، فهذا يبدو تفاؤلاً مبالَغاً فيه.

حقيقة غريبة

  • وعلى الهامش، زار وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، أهل الحدود الشمالية مع نوّاب حزبه، وطالب الحكومة بتوجيه إنذار إلى حزب الله، بسحب جميع قوّاته إلى شمال نهر الليطاني، وإذا لم يفعل ذلك، فسيشن الجيش هجوماً داخل الأراضي اللبنانية، وبعد ذلك، يقيم منطقة عازلة أمنية داخل جنوب لبنان.
  • هذه مقولة مذهلة تجعلنا نرغب في سؤال الوزير: "من سيعمل في جنوب لبنان؟ أنت، وأي جيش؟" حتى عندما قام الجيش بتجنيدٍ كاملٍ لجنود الاحتياط من تشرين الأول/أكتوبر حتّى كانون الأول/ديسمبر، فقد هاجمت إسرائيل على جبهة واحدة في قطاع غزة، وأدارت حرباً دفاعية في مواجهة حزب الله في الحدود اللبنانية. والآن، تم تسريح أغلبية وحدات الاحتياط من الخدمة، لكن الجيش لا يزال يعمل في رفح، وهذا في الوقت الذي يطالب فيه الجناح اليميني المتطرّف في الحكومة بالعمل من أجل احتلال رفح، ويهدّد بالانسحاب من الائتلاف إذا لم تتم الاستجابة لمطالبه، وإذا وافقت إسرائيل على صفقة تبادُل جديدة. إن من يطالب الآن بالتحرك على جبهتين في الوقت نفسه لا يعرف تأثير الاستنزاف المستمر في القوات النظامية وقوات الاحتياط بعد 8 أشهر متواصلة من القتال، ويتجاهل طبعاً الحسابات كاستمرار المساعدات الأمنية الأميركية التي يحتاج إليها الجيش.
  • والأغرب من ذلك حقيقة أن اليمين المتطرف، الذي يطالب بهجوم شامل، لا يقوم بأي شيء من أجل الدفع بتجنيد الحريديم، وهو ما سيساعد في توزيع عبء الخدمة العسكرية، ومن الممكن (في سيناريو متفائل جداً) أن يزيد عدد الجنود داخل الجيش. عندما نتذكّر أن المستوطنين من اليمين المتطرّف منشغلون الآن في إشعال الضفة الغربية، بصورة ممنهجة، ومحاولات ضرب قوافل المساعدات الإنسانية في طُرُق الضفة المتوجّهة إلى غزة، نشك في أن هدفهم هو الانتصار (الذي سيكون صعباً)، إنما هو إشعال حرب أبدية، وهؤلاء الأشخاص يعيشون الآن في فيلم مسياني، والمشكلة هي أنهم يقومون بصوغ الاستراتيجيا الإسرائيلية إلى حد بعيد.