إيران قد تجد نفسها خارج اللعبة في سورية، وهذا هو المثلث الجديد
تاريخ المقال
المواضيع
المصدر
- يبدو أن المعركة في سورية بين المتمردين والجيش السوري ليست مجرد معركة على مستقبل سورية، بل هي أيضاً معركة على مستقبل إيران في الشرق الأوسط. ويتضح ذلك من النقاش الدائر بين كبار المحللين في إيران حول السؤال: هل تمثل هذه التطورات تهديداً خطِراً لمكانة إيران في الساحة السورية، أم أنها فرصة لتعزيز مكانتها الاستراتيجية من جديد؟
- يفيد أحد التحليلات بأن هناك تهديداً خطِراً لمكانة إيران في سورية نتيجة هذه الأحداث، على النحو التالي: "لقد شُكّل تقاطُع مصالح، سواء بوعي، أو من دون وعي، بين كلٍّ من الولايات المتحدة، وإسرائيل، وتركيا، وروسيا في سورية، بهدف إخراج القوات الإيرانية وحلفائها من سورية". هذا التقاطع في المصالح يمثل تهديداً حقيقياً للوجود الإيراني في المنطقة. ويشير المحللون إلى أنهم "لا يعتقدون أن الأمر يتعلق بمؤامرة بين روسيا والولايات المتحدة بقيادة بايدن"، بل يعتبرون أن هناك تفاهمات منفصلة بين روسيا وإسرائيل من جهة، وتركيا وروسيا من جهة أُخرى، وهو ما يشكل خطراً على إيران.
- تنبع هذه التفاهمات من الضغط التركي على روسيا بعد محاولتها ترتيب لقاء مع الرئيس السوري، الذي رفض الانضمام إلى اللقاء بسبب الضغوط الإيرانية. وفي الوقت ذاته، تأتي الضغوط من جهة إسرائيل التي تهدد بشن هجمات في سورية، وباغتيال الرئيس السوري، إذا لم تقنعه روسيا بالانفصال عن إيران. ويرى الإيرانيون أن "هذا هو الهدف من زيارة رون ديرمر إلى روسيا".
- يلاحظ الإيرانيون تغيُّر النهج الروسي من خلال الغارات الجوية الروسية التي كانت حاسمة في الماضي في المعركة ضد المعارضة السورية، وأصبحت الآن ضعيفة، أو غائبة أحياناً. كما لاحظوا أن "الكرملين ينقل المسؤولية إلى الجيش السوري، على الرغم من أنه غير مهيّأ للتعامل مع الوضع بمفرده". ويعتقد الإيرانيون أيضاً أنه طُلب من الرئيس السوري، خلال زيارته الأخيرة إلى روسيا، "إعلان قطع كامل للعلاقات مع إيران، وإلا فستتم إطاحته من منصبه".
- بالإضافة إلى ذلك، يقدّر المحللون في إيران أنه، حتى لو جرى ذلك، فإن هذا "لن يؤثر في النفوذ الروسي في دمشق". وإذا كانت موسكو وقّعت فعلاً اتفاقيات منفصلة وراء الكواليس مع تركيا وإسرائيل، فإن "روسيا ستؤدي دوراً أكثر أهميةً في المستقبل تجاه دمشق، في ظل غياب قوي للمنافس الإيراني".
- فيما يتعلق بتركيا، يرى الإيرانيون أنه سواء أكانت وراء هجوم المتمردين، أم أنها اكتفت فقط بالموافقة عليه، فإن هدفها لا يتمثل في مجرد الانتقام من الرئيس السوري فحسب، "بل في التحضير لعمليات ضد سلطة الحكم الذاتي الكردية في المستقبل القريب، وقد يكون انسحاب القوات الروسية من تل رفعت تمهيداً لذلك". وفي السياق التركي، يشير المحللون إلى أن الخطأ الأكبر للنظام الإيراني هو تقييمه الخطر القادم من إسرائيل والولايات المتحدة، باعتباره التهديد الرئيسي لإيران، "وليس تحوّل تركيا إلى قوة إمبريالية".
- وفقاً لهذه التقديرات، تبدو السيناريوهات المحتملة للمستقبل قاتمة للغاية، بالنسبة إلى إيران. ومن بين الاحتمالات التي يطرحها المحللون في إيران: "انهيار النظام السوري نتيجة التقدم السريع للمعارضة، أو وقف الهجوم نتيجة تفاهمات دولية تؤدي إلى قطع العلاقات بين دمشق وطهران، أو حتى إلى انقلاب عسكري يغيّر هيكلية الحكم في سورية بالكامل". ويقدّر المحللون أن "إيران قد تجد نفسها خارج اللعبة"، مشيرين إلى ضرورة الانتظار لمعرفة التطورات.
- من جهة أُخرى، هناك محللون إيرانيون لا تقتصر تحليلاتهم على التهديد الإقليمي، بل يرون في ذلك فرصة. وبحسب تقديراتهم، هناك هدف واحد لإسرائيل والولايات المتحدة: "منع حزب الله من استعادة قوته، ثم تدمير خطوط إمداده ودعمه"، أو بعبارة أُخرى، السيطرة على الساحة السورية. في هذا السياق، أرسلت إسرائيل، مؤخراً، رسائل إلى الرئيس السوري والحكومة السورية، مفادها أنه إذا لم يتم قطع الإمدادات إلى حزب الله، فإن النظام السوري سيواجه خطر الانهيار. ونتيجة لذلك، ازدادت زيارات المسؤولين الإيرانيين الرفيعي المستوى لسورية.
- ربما تقدّر الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا أن الحكومة السورية والجيش السوري وإيران وروسيا، لن يتمكنوا من خوض معركة ضد المتمردين وتحقيق النصر عليهم (مثلما جرى في الفترة 2011-2018)، وبصورة خاصة مع اختلاف الظروف الحالية، مقارنةً بالماضي؛ فإيران متورطة في مواجهة مع إسرائيل، وروسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن حزب الله، الذي كان يشكّل قوة رئيسية في الدفاع عن النظام، غير قادر على القيام بهذا الدور حالياً، وفقاً للتقديرات، بسبب الخسائر البشرية والمادية التي تكبّدها في الحرب مع إسرائيل. كان هذا أحد العوامل التي عجّلت بتوقيت هجوم المتمردين. ويشير المحللون الإيرانيون إلى احتمال أن تختار إسرائيل استغلال الفرص في سورية، وتعمل بشكل هجومي فاعل، لا أن تكتفي فقط بتقديم الدعم للمتمردين، مثلما فعلت في السابق.
- تحمل الأزمة الحالية في طياتها، على الرغم من تعقيداتها، فرصاً مهمة بالنسبة إلى طهران. "فمعركة حلب هي معركة على مستقبل محور المقاومة"، حسبما يصرّحون. وفي رأيهم، لن يقتصر الانتصار في هذه الساحة على كبح التهديدات الفورية، بل سيمنح إيران أيضاً فرصة لإعادة ترسيخ مكانتها الإقليمية.
- يقول هؤلاء إن "مدينة حلب، التي حُررت في السابق بفضل القوات الإيرانية، أصبحت مجدداً محوراً حاسماً. إذ إن النجاح في صدّ المسلحين قد يؤدي إلى تحرير إدلب والقضاء على المعارضة السورية، بعد سنوات من القتال"، علاوةً على ذلك، توفر المعارك الراهنة فرصة لتعزيز الحضور العملياتي لقوات المقاومة الإيرانية، التي يمكن أن تُستخدم كرافعة لتوسيع نفوذ إيران في المنطقة، ولذلك، يجب الدفع بها إلى المنطقة.
- وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي تُمارَس على الرئيس السوري لإبعاده عن إيران، فإن هناك مَن يعتقد أن الأحداث الأخيرة قد تعزز اعتماده على طهران. ويقول هؤلاء إن النظام السوري، "إذا وجد نفسه في عزلة أكبر، فإن إيران ستصبح الحليف الذي لا غنى عنه".
- لا ترى طهران أن المعارك في سورية مجرد صراعات على الأراضي. بل تعتبرها اختباراً لقدرتها على الحفاظ على مكانتها الإقليمية ومحورها. لذلك، خلصت إيران إلى ضرورة القتال للحفاظ على قبضتها في سورية وحماية محور المقاومة. بناءً على ذلك، تعمل إيران على ضخ قواتها إلى سورية. ووفقاً للمحللين، فإن "الهدف الظاهري يتمثل في مساعدة النظام السوري"، بينما الهدف الفعلي هو وقف المحاولات الإقليمية لقطع محور طهران - دمشق. ترى إيران ذلك، استناداً إلى ضعف النظام السوري والتحالفات التي تُبنى، وتسعى لمنع أيّ تهديد، أو سيطرة على الأصول الاستراتيجية الإيرانية.