نصرٌ مطلقٌ على الأخلاق
المصدر
هآرتس

من أهم وأقدم الصحف اليومية الإسرائيلية، تأسست في سنة 1918، ولا تزال تصدر حتى اليوم، ورقياً وإلكترونياً، كما تصدر باللغة الإنكليزية وتوزَّع مع صحيفة النيويورك تايمز. تُعتبر هآرتس من الصحف الليبرالية والقريبة من اليسار الإسرائيلي. وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث التوزيع في إسرائيل. تُصدِر الصحيفة ملحقاً اقتصادياً بعنوان "ذي ماركر".

المؤلف
  • مباشرةً بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، سادت إسرائيل موجة من التضامن، واستجابة واسعة النطاق من مختلف القطاعات لحاجة الآخرين إلى المساعدة. أتى هذا بعد عام من الخلافات القبيحة، كانت الاختلافات خلاله هي التي تحددنا، وكانت قدرة الكثيرين على التعالي فوق الانقسامات تُستقبل باستغراب. نسينا مَن نكون، أو جعلونا ننسى أننا مستعدون لتقديم المساعدة، في مقابل لا شيء، وحسّاسون إزاء المعاناة، ولدينا حسّ أخلاقي. وقبل أن نكون مع الإصلاح القضائي، أو ضده، وقبل أن نكون مع بيبي، أو ضده، نحن بشر.
  • لكن بعد مرور 7 أشهر، فإن النصر المطلق الوحيد الذي تحقّق هنا ليس النصر على "حماس"، بل على الأخلاق. اليوم، نحن منقسمون بين مؤيدين للدخول إلى رفح وضده، ومع صفقة مخطوفين وضدها، وبين نصر مطلق وبين وقف إطلاق النار، وبين حلّ سياسي وبين العيش على حدّ السيف، وبين مَن يحترم بايدن ومَن يستهزئ به، وبين مَن يتجرأ على الاعتراف بمعاناة الأبرياء في غزة وبين مَن لا يبالي بهذه المعاناة، أو يحتفل بها.
  • نحن نشكو من سطحية شعارات طلاب الجامعات في الولايات المتحدة، ومن "جهلها وعدائها للسامية"، ومن استعداد هؤلاء الطلاب لوضع الأخلاق جانباً عندما يطالبون بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ويمزقون الملصقات التي تحمل صور المخطوفين. وعندما يعتبرون إسرائيل رمزاً للشر من دون الاعتراف بـ"المذبحة" والخطف، وما قامت به "حماس" ضد المدنيين الإسرائيليين، من الواضح لنا أنه لا يوجد أساس أخلاقي لاحتجاجهم السياسي. لكن بمَ نختلف عنهم فعلاً؟
  • إن الخلافات مسألة مشروعة ومرغوب فيها، وهي دليل على الديمقراطية وحرية التعبير. لكن عندما تتجلى هذه الخلافات في اعتبار عائلات المخطوفين والمؤيدين لهم مصدر إزعاج، وعندما يؤيد كثيرون عنف الشرطة تجاه هؤلاء، ويدعمون اعتقالهم، وعندما يطغى الاستعداد للتضحية بهم على الدروس في المدارس، فهذا دليل على ضرر أخلاقي.
  • كما أنه دليل على سياسة تفتقر إلى أساس أخلاقي، وإلى الأخلاق. لا يوجد كوابح، أو قيود، لمثل هذه السياسات. وكل شيء مسموح من أجل تحقيق أهدافها: انتهاك حقوق الإنسان والمسّ بهذا الإنسان؛ التدمير والقتل العشوائيان؛ تدمير غزة فوق رؤوس ساكنيها وأطفالها ومخطوفينا، بحجة القضاء على "حماس".
  • وبالإضافة إلى كل الإخفاقات الملموسة للحكومة الحالية: الفشل في الدفاع عن مواطنيها؛ التخلي عن المخطوفين، وعن النازحين؛ عدم وجود استراتيجيا، الأمر الذي يطمس الإنجازات التكتيكية ويفرّغ تضحيات الجنود والجنديات من مضمونها، وهذا ما يسبب لنا الأذية بصورة مدمرة، من خلال إلحاق الأذى الأخلاقي بنا.
  • بالنسبة إلى روما كيدم التي فقدت ابنتها وصهرها ووالدة صهرها وثلاثة من أحفادها، فإنه لم يعد لديها مَن تطالب باستعادته. ومع ذلك، هي تشارك في التظاهرات إلى جانب عائلات المخطوفين، وتدعو من صميم قلبها "جميع الأمهات والجدات" إلى الانضمام إليهم. وهذه ليست صرخة للتضامن والدعم، بل دعوة إلى التذكير بالمبادىء الأخلاقية التي يجب أن تكون موجودة في أساس السياسة. وفي نهاية المطاف، ما هي الأمومة، إن لم تكن الاستجابة الفورية، من دون أيّ تفكير، أو اعتبار عقلاني لصرخات طفل؟ لستِ مضطرة إلى أن تكوني أماً، أو جدة، لكي تستجيبي لهذه الدعوة. المبادىء الأخلاقية الأساسية المطلوبة موجودة فينا جميعاً، وهي أساس إنسانيتنا.